ومن هنا قيل في تعريف الصلح : إنّه « عقد شرّع لقطع التجاذب والتنازع بين المتخاصمين » « 1 » . نعم ، الصلح المبحوث عنه أعمّ من ذلك ، حيث إنّه قد يكون عقداً ، وقد لا يكون عقداً كالإصلاح بين الزوجين .
وقد أكّد الكتاب والسنّة على أمر إصلاح ذات البين ورفع الاختلاف والتنازع بين المسلمين والمؤمنين :
فمن الكتاب قوله عزّوجلّ :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ »
« 2 » .
وقوله سبحانه :
« وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ »
« 3 » .
ومن السنّة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « ما عمل رجل عملًا بعد إقامة الفرائض خيراً من إصلاحٍ بين الناس . . . » « 4 » .
( انظر : اصلاح )
الثالث - التحاكم :
وهو آخر مرحلة شرعية وقانونية لفصل الخصومات والنزاعات ؛ لأنّه قد يقع الاختلاف بين شخصين في قضية بينهما ولا ينحلّ النزاع بينهما بالتراضي والتصالح ، فيتعيّن عليهما الرجوع إلى القاضي للتحاكم بينهما .
ومن هنا عرّف ابن فهد القضاء بأنّه « ولاية الحكم شرعاً لمن له الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معيّنة بشرية ، متعلّقة بإثبات الحقوق واستيفائها . . . وغايته قطع المنازعة بين الخصوم » « 5 » .
فالسلطة القضائية موظّفة برفع التنازع طبقاً لقانون الشرع ، وبجانبها تقوم السلطة التنفيذية بتنفيذ الحكم إذا احتيج إليه .
ويدلّ على تشريع القضاء كثير من الآيات والروايات ، كقوله سبحانه وتعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا »
« 6 » ، حيث أمر اللَّه عزّوجلّ الناس بأن يطيعوا ولاة أمرهم الشرعيين وينزلوا على قضاياهم « 7 » .
بل الآية الكريمة لا تختصّ بأمر القضاء ، فهي كما تشمل الحكم للقضاء - الذي هو شأن القاضي - فكذلك تشمل الحكم من الولاة والامراء في مطلق المنازعات ، كما صرّح به بعض الفقهاء « 8 » .
هذا ، وقد وضعت الشريعة العديد من القواعد للحكم وفصل الخصومات يراجع للتفصيل فيها عنوان ( التحاكم ) و ( القضاء ) .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 26 : 211 . وانظر : الرياض 9 : 35 .
( 2 ) الحجرات : 10 .
( 3 ) الحجرات : 9 .
( 4 ) الوسائل 18 : 441 ، ب 1 من الصلح ، ح 8 .
( 5 ) المهذّب البارع 4 : 451 . وانظر : الرياض 13 : 33 . مباني تكملة المنهاج 1 : 58 .
( 6 ) النساء : 59 . وانظر : البقرة : 213 . الشورى : 10 .
( 7 ) زبدة البيان : 861 . وانظر : جواهر الكلام 40 : 155 . العروة الوثقى 6 : 419 .
( 8 ) البيع ( الخميني ) 2 : 639 . وانظر : الاجتهاد والتقليد ( الخميني ) : 19 وما بعده .