اختياره الفتوى التي تؤدّي إليه ، فوجوب القصر تعييناً معلوم للمكلّف تعبّداً ، فبقاؤه بالاستصحاب منافٍ لبقاء الفتوى الثانية على الحجّية التخييرية .
وبعبارة أوضح : التخيير المجعول شرعاً إنّما هو في المسألة الأصولية فقط ، وأمّا الحكم الفرعي وهو ما تضمّنه كلّ من الفتويين من وجوب القصر أو التمام فتعييني ، وقبل الالتزام بإحداهما لم يتعيّن عليه أحد الحكمين الفرعيين بالخصوص ، وبعده يتعيّن خصوص ما اختاره ، فالحكم المختار ينافي بقاء الفتوى الثانية على الحجّية التخييرية في مرحلة التنجّز حدوثاً وبقاءً . . .
وأمّا استشكاله [ المحقّق الأصفهاني ] أخيراً في وجوب الالتزام بإحدى الفتويين تارةً بأنّه لا دليل عليه ؛ لابتنائه على أن يكون التقليد هو الالتزام ، مع أنّه قد عرفت أنّه العمل لا الالتزام ، وأخرى بأنّه لا معنى للالتزام إلّابالحكم الفعلي ؛ لأنّه مقدّمة للعمل على طبق ما يلتزم به ، فلابدّ من صلاحية الملتزم به للبعث نحو العمل ، ولا يعقل أن يكون كلا الحكمين بنحو التعيين فعليّاً لمكان المعارضة ، فلا محالة يجب أن يكون الحكمان فعليّين تخييريّين تحقيقاً للالتزام بهذا أو ذاك ، وعليه فاستصحاب الحكم المختار لا يوجب تعيّنه بوجه ، بل مقتضى الاستصحاب بقاء كلّ من الحكمين على ما هو عليه .
فمندفع : أمّا الأوّل فبما عرفت من أنّ الالتزام في باب التعارض إنّما هو لتحقيق موضوع الحجّية ، لا لأجل أنّ التقليد هو الالتزام ، أو أنّه واجب تعبّدي حتى يورد عليه بما ذكر ، فإذا ثبت التخيير بين الفتويين - كما عليه المحقّق المذكور - فلابدّ من الالتزام بإحداهما لا محالة .
وأمّا الثاني فبأنّ وجوب الالتزام إمّا أن يكون من أجل وجوب الموافقة الالتزامية للأحكام - كما قيل - أو من أجل أنّه التقليد أو أنّه محقّق لموضوع الحجّية ، ولا رابع ، وشئ من ذلك لا يستدعي جعل حكمين فرعيين تخييرين حتى يقال بأنّ استصحاب الحكم المختار هو استصحاب حكم تخييري لا يوجب تعيّنه بوجه ، أمّا على وجوب الموافقة الالتزامية فالملتزم به هو حكم اللَّه الواقعي ، فإن كان معلوماً
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 214
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٢١٤