وإمّا من أجل إلغاء الخصوصية باعتبار أنّ الفتوى وإن كانت مغايرة للرواية والخبر إلّا أنّه لا خصوصية للرواية في الحكم بالتخيير بل الملاك في الحكم تعارض الحجّتين ولو لم تكونا خبرين ، فيحكم بالتخيير في مطلق الحجّتين المتعارضتين ، سواء كانتا خبرين أو لا .
وأجيب عنه :
أوّلًا : بأنّ التمسّك بها للحكم بالتخيير في مورد تعارض الخبرين غير تام ، وعليه فلا وجه للتمسّك بها في تعارض الفتويين .
وثانياً : بأنّ حقيقة الفتوى تغاير حقيقة الرواية ؛ لأنّ المقوّم للفتوى هو النظر والدراية والاستنباط ، بخلاف الرواية فإنّها مجرّد النقل لكلام المعصوم عليه السلام من دون رأي واجتهاد من جانب الناقل ، وعليه فلا وجه لإلحاق الفتوى بالرواية واعتبارها مصداقاً لها .
كما لا وجه لإلغاء خصوصية الرواية في الحكم بالتخيير وإسراء الحكم إلى الفتوى ؛ لأنّ ذلك إسراء حكم ثابت لموضوع إلى موضوع آخر « 1 » .
وقد استدلّ للتخيير بخصوص موثّقة سماعة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه ، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه ، كيف يصنع ؟
قال : « يرجئه حتى يلقى من يخبره ، فهو في سعة حتى يلقاه » « 2 » .
فقد ادّعى المستدلّ أنّ مورد الرواية هو الفتوى لا الرواية ؛ لأنّ التخالف بين الرجلين لا يتحقّق بمجرّد نقل الرواية مع عدم الجزم بمضمونها ، والجزم به لا يتحقّق إلّا بالفتوى ، فيختصّ مورد السؤال بمورد الفتوى .
وأجيب عنه : بأنّ قوله عليه السلام : « يرجئه حتى يلقى من يخبره » معناه يؤخّره ولا يعمل بشيء منهما ، ومعنى الإرجاء لغةً وعرفاً هو تأخير الشيء .
فقوله عليه السلام بعد ذلك : « فهو في سعة » ليس معناه أنّه في سعة في الأخذ بأيّ منهما شاء ، كما استفاده المستدلّ ، بل
هامش
( 1 ) انظر : تفصيل الشريعة ( الاجتهاد والتقليد ) : 120 .
( 2 ) الوسائل 27 : 108 ، ب 9 من صفات القاضي ، ح 5 .