وعلى ضوء هذا التعريف يتّضح جلياً اختلاف التفسير عن التأويل .
ولو كان التأويل هو التفسير بعينه لم يكن لاختصاص علمه باللَّه وبالراسخين في العلم وجه ، فإنّ القرآن الكريم يفسّر بعضه بعضاً ، والمؤمن والكافر والراسخون في العلم وأهل الزيغ في ذلك سواء « 1 » .
ومجرّد كون التأويل مشتملًا على معنى الرجوع وكون التفسير أيضاً غير خالٍ عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو التفسير ، كما أنّ الامّ مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم « 2 » .
ونسب إلى الراغب الأصفهاني أنّ التفسير أعمّ من التأويل وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها ، وأكثر التأويل في المعاني والجمل ، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية ، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها « 3 » .
ثالثاً - الأحكام ومواطن البحث :
تتعلّق بالتفسير أبحاث وأحكام عديدة بعضها لابدّ من التعرّض له هنا بشيء من التفصيل ، في حين أنّ بعضها الآخر يذكر هنا إجمالًا ويحال تفصيله إلى محالّه :
1 - تفسير القرآن الكريم :
أ - حكم تفسير القرآن الكريم :
الظاهر من تصدّي الفقهاء لتفسير القرآن الكريم جوازه ، وإن لم يتعرّضوا في كتبهم الفقهية إلى حكمه .
ولكن صرّح الفيض الكاشاني في الأصول قائلًا : « لا ينبغي أن يرتاب أحد في جواز تفسير القرآن لغير المعصومين عليهم السلام في الجملة ، وإلّا لما صحّ قولهم في أخبار كثيرة : « إذا جاءكم عنّا حديث فاعرضوه على كتاب اللَّه » « 4 » . . . بل ما جاز لنا الانتفاع بالقرآن أصلًا ، مع أنّه الثقل الأكبر الواجب الاتّباع المقتدى به . . .
ولما صحّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّي تارك فيكم الثقلين » « 5 » ؛ إذ على هذا التقدير إنّما ترك الثقل الواحد الذي هو أهل بيته خاصّة . . . » « 6 » .
نعم ، لا يجوز فيه الاعتماد على الظنون والاستحسان ، ولا على شيء لم يثبت أنّه حجّة من طريق العقل أو من طريق الشرع ، وذلك للنهي عن اتّباع الظن ، وحرمة إسناد شيء إلى اللَّه سبحانه وتعالى بغير إذنه .
قال اللَّه سبحانه وتعالى :
« قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ »
« 7 » ، وقال تعالى :
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
« 8 » ، إلى غير ذلك من الآيات والروايات الناهية عن العمل بغير العلم ، والروايات الناهية عن التفسير بالرأي مستفيضة من الطريقين .
هامش
( 1 ) الميزان 3 : 36 .
( 2 ) الميزان 3 : 47 .
( 3 ) الإتقان في علوم القرآن 4 : 192 .
( 4 ) الوسائل 20 : 463 - 464 ، ب 20 ممّا يحرمبالمصاهرة ، ح 3 ، 4 .
( 5 ) الوسائل 27 : 33 - 34 ، ب 5 من صفات القاضي ، ح 9 .
( 6 ) الأصول الأصيلة : 36 .
( 7 ) يونس : 59 .
( 8 ) الإسراء : 36 .