وعلى الرغم من وجود هذه الأسباب في بعض الموارد والمسائل نجد الفقهاء يحاولون - حرصاً منهم على بيان أحكام الشريعة - التماس دليل شرعي لترجيح أحد الطرفين على الطرف الآخر أو سائر الأطراف .
ولذا نجدهم في أكثر من موضع يصرّحون بمنشأ التردّد في الحكم ، ثمّ يذكرون ما هو الأرجح والأوفق بأصول المذهب ورفض كلّ ما فيه شيء من الاستحسان أو القياس أو غيرهما ممّا لا يوافق الشريعة ، نظير ما ذكروه في مسألة تطهير الإناء من ولوغ الكلب ، فإنّ من الواضح أنّ الدليل دلّ على وجوب تعفيره بالتراب ثمّ غسله بالماء ، فإن لم يوجد التراب فهل يجزي تعفيره بغيره كالماء والأشنان ؟
ذهب الشيخ الطوسي وابن الجنيد إلى الإجزاء « 1 » ، ووجهه : أنّ الأشنان أبلغ في الإنقاء ، فإذا طهر بالتراب فبالأشان أولى .
وفيه تردّد ؛ لاختصاص التعبّد بالتراب وعدم العلم بحصول المصلحة المرادة من التعفير في غيره ، على أنّه لو صحّ ذلك لجاز مع وجود التراب « 2 » .
ولو لم يرجح عند الفقيه أحد الطرفين بل توقّف في الحكم وتردّد فيه ، فإنّه يرجع فيه إلى الأصل وما يقتضيه « 3 » .
وينبغي التنبيه إلى أنّ تردّد الفقهاء في بعض الأحكام إنّما هو تردّد في مقام الاجتهاد لا الفتوى والحكم « 4 » .
ج - التردّد على المكان أو فيه :
ذكر الفقهاء أنّ من شروط تقصير الصلاة الرباعية كون المقصود مسافة فصاعداً ، وهي ثمانية فراسخ ، فلو تردّد المسافر في أقلّ من أربعة فراسخ لم يقصّر ، كما لو تردّد في قرى دون المسافة ، فكلّ مكان يسمع فيه أذان بلده فهو بحكمه « 5 » .
( انظر : صلاة المسافر )
هامش
( 1 ) نقله عنهما في المعتبر 1 : 459 .
( 2 ) المعتبر 1 : 458 - 459 .
( 3 ) القوانين 2 : 10 .
( 4 ) الفصول الغروية : 8 .
( 5 ) الدروس 1 : 212 . وانظر : الموجز ( الرسائل العشر ) : 118 - 119 .