ثمّ إنّه قد يكون منشأ التردّد في الحكم الشرعي أحد أمور :
الأوّل : فقد النص ، وهو الغالب في الفقه ، فإنّ عدم وجود دليل نقلي أو عقلي في المسألة يجعل الفقيه مردّداً في تعيين الحكم الشرعي « 1 » .
الثاني : إجمال النص ، وذلك حينما يفهم من النص أكثر من معنى ويفسّر بأكثر من تفسير ، الأمر الذي يجعل الفقيه مردّداً في تعيين الحكم الشرعي ، وكذا فيما لو تشابهت الأدلّة ولم تكن دلالتها واضحة « 2 » .
الثالث : تعارض النص ، فإنّه قد يوجب التردّد في الحكم ، وذلك فيما لو كان على كلا الطرفين دليل شرعي كما في جلسة الخطيب بين الخطبتين ، وهل أنّها واجبة أم لا ؟
قال المحقّق الحلّي : أمّا وجه الوجوب فهو التأسّي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روي عن أهل البيت عليهم السلام ، وأمّا وجه الاستحباب فلأنّه فصل بين ذكرين بجعل الاستراحة ، ولأنّنا لا نعلم الوجه الذي أوقعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه من الوجوب أو الاستحباب ، فلا يجب متابعته عليه « 3 » .
وقد عزى الأسترآبادي سبب تردّد الفقيه إلى تعارض الأدلّة ، فقال : « إنّ سبب تردّد الفقيه في بعض المسائل تعارض الدلالات المنصوبة من قبله تعالى في نظره ، وأنّ حكم اللَّه في حقّه وحقّ مقلّديه ما دام كذلك [ مردّداً ] التخيير » « 4 » .
وقد يعدّ من مناشئ التردّد عدم تعرّض أحد من الفقهاء للحكم ليتبيّن خلافهم أو وفاقهم « 5 » ، وكذا حصول الشكّ للفقيه في اندراج بعض الأفراد تحت بعض الكلّيات المعلومة الحكم ، ونحو ذلك « 6 » . وقد يلحق بالمناشئ المذكورة ما لو حصل الشكّ للفقيه في حجّية الدليل أو حصل له تردّد في المسألة الأصولية مثلًا « 7 » .
هامش
( 1 ) انظر : كشف الرموز 1 : 222 ، و 2 : 40 .
( 2 ) انظر : هداية المسترشدين 3 : 553 .
( 3 ) المعتبر 2 : 285 .
( 4 ) الفوائد المدنية : 261 .
( 5 ) انظر : هداية المسترشدين 3 : 440 .
( 6 ) هداية المسترشدين 3 : 553 .
( 7 ) انظر : الحاشية على استصحاب القوانين ( تراث الشيخ الأعظم ) : 37 .