على أنّ المصلحة والمفسدة لا يشترط في تحقّقهما العلم والالتفات ، بخلاف الحسن والقبح فإنّهما متقوّمان بذلك « 1 » .
خامساً - تطبيقات التجرّي وآثاره :
ما تقدّم كان كلّ ما يمكن أن يقال في حكم أصل التجرّي ، وهناك مسائل أخرى تتصل بالتجرّي وتطبيقاته وموارده وآثاره نحاول التعرّض لها تحت العناوين التالية :
1 - التجرّي بالعزم على المعصية الواقعية
« 2 » :
ذهب جماعة من الفقهاء والأصوليين « 3 » إلى أنّ إرادة المعصية والعزم عليها معصية ، وهو مختار أكثر المحدّثين والمتكلّمين والجمهور « 4 » ، بل ذكر قوم أنّ العزم على الكبيرة كبيرة ، وعلى الصغيرة صغيرة ، وعلى الكفر كفر « 5 » ؛ مستدلّين « 6 » له - مضافاً إلى الإجماع « 7 » - بالكتاب والسنّة والعقل ، أمّا الكتاب فبآيات متعدّدة ، كقوله تعالى : «
( وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
« 8 » .
وأمّا السنّة فبروايات كثيرة ، كقول أمير المؤمنين عليهالسلام : « الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم . . . » « 9 » .
وأمّا العقل فبقبح العزم على المعصية لما فيه من الهتك لحرمة المولى ، كما تقدّم الاستدلال به على حرمة أصل التجرّي .
وخالف في ذلك بعضهم مدّعياً عدم حرمة ذلك ؛ لأنّه نوع من التجرّي « 10 » ، ولمّا كان التجرّي غير محرّم باعتقاده فالعزم على المعصية كذلك ، وقد تقدّمت المناقشة في الاستدلال بالعقل لإثبات تحريمه ، وأنّه لا ملازمة بين قبح التجرّي وبين الحكم بالحرمة .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 4 : 66 .
( 2 ) يظهر من بعض العلماء أنّ البحث عن العزم على المعصية ناظر إلى نية المعصية الواقعية . انظر : تنزية الأنبياء : 74 . التحفة السنية 1 : 329 - 331 .
( 3 ) تنزيه الأنبياء : 74 . ونسب ذلك في أوثق الوسائل : ( 26 ) إلى اتفاق الأخبار وكلمة الأصحاب .
( 4 ) نقله عن بعض المعاصرين في التحفة السنية 1 : 330 .
( 5 ) نقله عنهم في تنزيه الأنبياء : 74 .
( 6 ) نقلها في بدائع الأفكار : 357 - 358 .
( 7 ) نسب الاستدلال بالإجماع في بدائع الأفكار : ( 357 ) إلى الشيخ البهائي .
( 8 ) البقرة : 284 .
( 9 ) نهج البلاغة : 499 ، الحكمة 154 .
( 10 ) مباني العروة ( النكاح ) 2 : 25 - 26 . وانظر : منتقى الأصول 4 : 60 - 63 .