ويدلّ على ذلك أيضا ما ورد في مدح بعض الرواة ، كرواية جميل بن درّاج ، قال : سمعت أبا عبد اللّه عليهالسلام يقول : « بشّر المخبتين بالجنّة : بريد بن معاوية العجلي وأبو بصير ليث بن البختري المرادي ومحمّد بن مسلم وزرارة ، أربعة نجباء ، امناء اللّه على حلاله وحرامه ، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة واندرست » « 1 » . فمدحهم لأجل أنّهم يروون الأحاديث عنهم عليهمالسلام ، وهذا نوع تبليغ الأحكام الشرعية .
وهذه المهمّة بفروعها وأنواعها لا تقف عند الأنبياء ، بل تمتدّ للناس كافّة ، فيجب على العالم تعليم الجاهلين وإيصال رسالة السماء إليهم ، ويجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد قامت سيرة المتشرّعة عند أهل الأديان على ذلك .
نعم ، يشترط في المبلّغ شروط يستحسن وجودها فيه كتوافق قوله مع عمله ، وتحلّيه بالأخلاق الكريمة ، وأن لا يطلب الأجر على عمله من الناس كما نصّ القرآن الكريم على ذلك كلّه في مواضع متفرّقة .
أخذ الأجرة على تبليغ الدين :
تقدّم أنّه يجب تبليغ الدين وأحكامه إلى الناس وجوباً كفائياً ؛ لقوله سبحانه وتعالى :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
« 2 » ، حيث فيها دلالة على وجوب تحصيل الأحكام الشرعية وتبليغها للجاهلين « 3 » .
فإذا كان التبليغ واجباً وجوباً كفائياً حينئذٍ يقع البحث في جواز أخذ الأجرة عليه من حيث إنّه قد يكون الوجوب منافياً لجواز ذلك ، وقد اختلف الفقهاء في جواز أخذ الأجرة على الواجبات على أقوال :
منها : عدم جواز أخذ الأجرة عليها مطلقاً « 4 » ، وقد نسب هذا القول إلى المشهور بين الأصحاب « 5 » .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 142 ، ب 11 من صفات القاضي ، ح 14 .
( 2 ) التوبة : 122 .
( 3 ) التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 66 .
( 4 ) الشرائع 2 : 11 . القواعد 2 : 10 .
( 5 ) المسالك 3 : 131 .