لذا نرى في كثير من الموارد يترك الأمر لصاحب الحقّ في استنقاذ حقّه أو تركه وعدم الأخذ به ، فلربما يرى المكلّف أنّ العمل بالحقّ لا يكون من مصلحته فعلًا فيعرض عنه .
كما أنّ الصفة الغالبة للحقوق هي القابلية للإسقاط ، بمعنى التغاضي عنها وعدم تطبيقها من قبل ذي الحقّ ، أو التصريح لفظياً وعملياً بالإسقاط ، وما كان شأنه كذلك لا يمكن أن يتّصف إنقاذه والحفاظ عليه بالوجوب في نفسه « 1 » .
توقّف إنقاذ الحقّ أو المال على ارتكاب محرّم :
ذكرنا فيما سبق عند الحديث عن توقّف إنقاذ النفس على فعل محرّم أو ترك واجب أنّ الإنقاذ الواجب لو توقّف على فعل محرّم ، لزم النظر في أهمّية المنقَذ ، وهل هو بحيث يكون مقدّماً على كثير من الواجبات فيصحّ تركها في سبيل إنقاذه ويسوغ لأجل ذلك ارتكاب بعض المحرّمات ؛ لدخول ذلك في باب التزاحم أم لا ؟
وقد ذكرنا هناك أيضاً أنّ ارتكاب المحرّم لأجل إنقاذ النفس لابدّ معه من مراعاة ارتكاب الحرمة الأدنى فالأدنى إذا كان الغرض يحصل به ، ولا يمكن الانتقال إلى الحرمة الأعلى مع تحقّق الإنقاذ بالرتبة الأدنى .
وأمّا إنقاذ المال فإن كان مورده واجباً - كالضرورة الموجبة للإنقاذ - جرى فيه قانون التزاحم ، فتلاحظ الأهمية حينئذٍ .
وأمّا إذا لم يكن المورد واجباً بل كان مجرّد إنقاذ جائز ، فهنا لو توقّف الإنقاذ على فعل محرّم فلا يجوز ارتكاب الحرام من أجله إلّاإذا ارتفعت الحرمة في ذلك المورد بدليل خاص أو عام ؛ وذلك لعدم مزاحمة المباح للحرام أو الواجب .
ومن المصاديق التي يذكرها الفقهاء في هذا المقام مسألة الترافع إلى حكّام الجور - الذي هو محرّم في نفسه - مع انحصار إنقاذ الحقّ بذلك « 2 » ، أو الرجوع إلى من لا أهلية له للقضاء « 3 » ، حيث اختلف
هامش
( 1 ) انظر : جواهر الكلام 36 : 434 - 437 .
( 2 ) زبدة البيان : 8 . الدرر النجفية 1 : 254 - 255 . الرياض 13 : 51 .
( 3 ) المفاتيح 3 : 248 . التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 363 .