مع تمكّن المأمور من صبّها على الأرض أو خارج الفم وإيهام الجائر بأنّه يشربها ، فإنّ هذا الفعل ، نظير التورية في أنّه لو اطّلع الجائر عليه لأوقعه في الضرر « 1 » .
ثمّ إنّ التفصيل المذكور إنّما يستفاد من ذيل كلام الشيخ الأنصاري ، إلّاأنّ المستفاد من صدر كلامه أنّ الإكراه كما أنّه متقوّم بعدم إمكان التفصّي بغير التورية ، كذلك هو متقوّم بعدم إمكان التفصّي بالتورية ، إلّاأنّه لا يعتبر عدم إمكان التفصّي بالتورية في تحقّق الإكراه تعبّداً وبحكم الشارع .
واستدلّ على ذلك بأنّ المعتبر في صدق الإكراه خوف ترتّب الضرر على مخالفة المكره ومع إمكان التفصّي بغير التورية لا يحصل الخوف في مخالفة المكره ، حيث إنّ الضرر مع إمكان التفصّي يترتّب على ترك الفعل المكره عليه وترك التفصّي معاً ، وليس التفصّي مكرهاً عليه ولا بدلَ له ، حيث لم يأمر به الجائر لا تعييناً ولا تخييراً ليكون نظير ما إذا أكرهه على شرب الخمر أو فعل القمار ، بل الفعل المتفصّى به مسقط للإكراه ، بمعنى أنّه رافع لموضوعه ، وكون التفصّي مسقطاً للإكراه يجري في مورد إمكان التفصّي بالتورية أيضاً ، إلّاأنّ الشارع قد رخّص في مورد إمكان التفصّي بالتورية في تركها ، كما يستفاد ذلك من إطلاق الروايات الواردة في طلاق المكره وعتقه ، وممّا دلّ على جواز الحلف باللَّه كاذباً عند الخوف والإكراه ، فإنّ حمل الإطلاق على صورة العجز عن التورية حمل على الفرد النادر ، بل لو كان العجز عن التورية معتبراً لُاشير إليه في تلك الأخبار ، خصوصاً في قضية عمّار ، فإنّ تنبيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عمّاراً على التورية وإن لم يكن واجباً « 2 » إلّاأنّ شفقته صلى الله عليه وآله وسلم عليه تقتضي ذلك ؛ لما رآه من اضطرابه
هامش
( 1 ) إرشاد الطالب 2 : 242 - 243 .
( 2 ) ولعلّ وجه عدم وجوب التنبيه أنّ المورد من قبيلالإرشاد إلى الموضوع مع غفلة المكلّف عنه ، حيث لابدّ من فرض أنّ عمّاراً قد نسي التورية وغفل عنها عند إكراهه على الاعتراف بالشريك ، لا أنّ تركه التورية كان لجهله بالحكم وعدم علمه بوجوب التورية في هذه الموارد ، كما هو الحال في ترك بعض الناس أو جلّهم ؛ فإنّ عدم رعاية بعض تكاليف الشرع منهم يكون لجهلهم بها ، وفرض مثل هذا الجهل لا يناسب شأن عمّار ولا تطبيق الإكراه على فعله ، كما هو مقتضى نزول الآية :
« إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ »
. النحل : 106 .