وهذا يعني أنّ الاعتصام اعتراف وممارسة لمرجعية الكتاب والسنّة بمعناها الشامل لسنّة أهل البيت عليهم السّلام تماما ، كما أعلن ذلك كلّ من حديث الغدير المشهور ، وحديث الثقلين وغيرهما من الروايات المعروفة .
وفي هذا يقول علي بن إبراهيم القمي بعد ذكره آية الاعتصام بحبل اللّه المتقدمة :
وهو التوحيد والولاية « 1 » .
وحيث إنّ الإنسان اجتماعي بالطبع والذات ، يعيش في حياته مختلف مظاهر الاختلاف والتشتت وينزع نحو الحرب والتخاصم ، ويقع في معرض الجهل والغفلة ، ويسقط فريسة لسلطة الغرائز والميول كان لا بدّ له من شيء يخرجه من بئر الماديّة وينقذه من أسر الطبيعة ، وليس إلّا حبل اللّه المتين ، الذي هو الارتباط باللّه عن طريق الأخذ بتعاليم القرآن الكريم والهداة الحقيقيين الذين يرتفعون بالناس من حضيض الجهل والأنانية إلى أعلى درجة التكامل المادي والمعنوي « 2 » .
ويدلّ على ما نقول ما رواه الحسن بن الحسين الأنصاري عن محمّد بن الحسين عن أبيه عن جدّه ، قال : قال علي بن الحسين عليهما السّلام : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم ذات يوم جالسا ومعه أصحابه في المسجد ، فقال : يطلع عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنّة يسأل عمّا يعنيه ، فطلع عليهم رجل طوال شبيه برجال مضر ، فتقدّم فسلّم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم وجلس ، فقال :
يا رسول اللّه ، إنّي سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول فيما أنزل :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
فما هذا الحبل الذي أمرنا اللّه بالاعتصام به وألّا نتفرّق عنه ؟ فأطرق رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم مليّا ثمّ رفع رأسه وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب عليه السّلام وقال : هذا حبل اللّه الذي من تمسّك به عصم به في دنياه ، ولم يضلّ به في آخرته ، فوثب الرجل إلى علي عليه السّلام فاحتضنه من وراء ظهره وهو يقول :
اعتصمت بحبل اللّه وحبل رسوله ، ثمّ قام فولّى فخرج . . . » « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير القمّي 1 : 108 .
( 2 ) الأمثل 2 : 472 . وانظر : الميزان 3 : 369 ، 378 .
( 3 ) الغيبة ( النعماني ) : 42 ، ح 2 .