أجاب عن ذلك بعض الأعلام بعدّة أجوبة :
الأوّل : أنّ أباه وعده الإيمان باللّه إن استغفر له ، فلمّا استغفر له لم يف بوعده ، فتبرّأ منه إبراهيم عليه السّلام « 1 » . وهذا هو المشهور بين المفسرين « 2 » .
وقيل : إنّ أباه قد تظاهر بالإيمان مدّة من الزمن فاستغفر له إبراهيم عليه السّلام ظنّا منه أنّه آمن حقّا ، فلمّا تبيّن أنّه عدوّ للّه رجع عن استغفاره وتبرّأ منه « 3 » .
الثاني : أنّ الموعدة كانت من إبراهيم عليه السّلام لأبيه ، فوعده بالاستغفار عندما كان يأمل منه خيرا « 4 » ؛ لاعتقاده بأنّه مستضعف مغفّل يؤمن بالحقّ لو اطّلع عليه ، ولم يعلم أنّه من أولياء الشيطان المطبوعة قلوبهم على الجحد والإنكار ، فاستعطفه لذلك ووعده الاستغفار الذي يمكن أن يكون مقبولا لو كان مستضعفا حقّا ؛ لقوله تعالى :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
« 5 » .
وممّا يؤيّد هذا الرأي أنّ إبراهيم عليه السّلام تبرّأ من أبيه عندما انكشف واقعه ، ممّا يعني أنّه كان يرجو هدايته ويتوقّع رجوعه ، وإلّا لما كان هناك مبرّر لهذا التبرّي « 6 » .
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ المراد من ( أبيه ) في الآية عمّه « 7 » كما هو المشهور بين الإمامية « 8 » ، أو جدّه لامّه كما قيل « 9 » ، فإنّ أبويه لم يكونا كافرين ؛ إذ لو كانا كذلك لما استغفر لهما في قوله :
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ
« 10 » ، حيث سأل المغفرة لهما يوم القيامة « 11 » .
وهنا ينبغي التنبيه على أمرين :
الأوّل : أنّ النهي عن الاستغفار للكافر
هامش
( 1 ) التبيان 5 : 309 . البحار 74 : 48 ، ذيل الحديث 8 .
( 2 ) البحار 74 : 48 ، ذيل الحديث 8 .
( 3 ) تنزيه الأنبياء : 78 . التبيان 5 : 309 .
( 4 ) تنزيه الأنبياء : 79 . التبيان 5 : 309 . البحار 74 : 48 ، ذيل الحديث 8 . وانظر : الميزان 14 : 60 .
( 5 ) النساء : 98 .
( 6 ) الميزان 14 : 60 .
( 7 ) التبيان 6 : 302 .
( 8 ) البحار 74 : 48 ، ذيل الحديث 8 .
( 9 ) المسائل القرآنية ( رسائل الشريف المرتضى ) 3 : 86 .
التبيان 6 : 302 .
( 10 ) إبراهيم : 41 .
( 11 ) التبيان 6 : 302 .