وقوله تعالى :
( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )
« 1 » ، وغير ذلك من الآيات التي تنفي الحرج والضيق عن المكلّفين « 2 » .
والآية الأولى وردت في سياق الحديث عن الجهاد ، ومفادها أنّ الأحكام التي فرضت عليكم لا يراد بها إعناتكم والتشديد عليكم ، بل لصالحكم ولأنفسكم ، فإذا لزم من تكليف شرعي حرج عليكم فاعلموا أنّه ليس ممّا جعل عليكم « 3 » .
والآية الثانية وردت في سياق الحديث عن التيمّم عند فقد الماء ، فالآية وردت لرفع حكم حرجي ، وهو الحكم الأولي الاختياري ، وشرّعت مكانه ما ليس فيه كلفة ولا مشقّة ؛ تخفيفاً وتسهيلًا على المكلّفين « 4 » .
والآية الثالثة وردت في سياق الحديث عن الصوم وسقوطه عن المريض أو المسافر ، وبيّنت أن منشأ التخفيف بالنسبة إلى المسافر والمريض هو إرادة اليسر وعدم إرادة العسر ؛ لأنّها واردة في مقام التعليل وكشف السرّ عن إسقاط الأمر الأولي بالصوم لمثل هكذا حالات ، فالتكاليف التي ينشأ منها على المكلّفين عسر وحرج وضيق ليست مرادة لله تعالى تخفيفاً منه ومنّة ورحمة « 5 » .
وأمّا السنّة ، فقد استدلّ على القاعدة بعدّة روايات :
منها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « بما أعطى الله وفضّلهم على سائر الأمم ، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلّا نبي ، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبيّاً قال له : اجتهد في دينك ولا حرج عليك ، وأنّ الله تبارك وتعالى أعطى امّتي حيث يقول :
( وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )
يقول من ضيق » « 6 » .
ومنها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « إنّ ربّي تبارك وتعالى استشارني في امّتي ماذا أفعل بهم ؟ » إلى أن يقول : « وطيّب لي ولُامّتي الغنيمة ، وأحلّ لنا كثيراً ممّا شدد على من قبلنا ، ولم يجعل علينا من حرج » « 7 » .
هامش
( 1 ) البقرة : 185 .
( 2 ) انظر : عوائد الأيام : 174 . العناوين 1 : 282 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 37 : 322 .
( 3 ) القواعد العامّة في الفقه المقارن : 169 - 170 . جامع البيان 17 : 267 وما بعدها . أحكام القرآن ( الجصاص ) 3 : 327 .
( 4 ) القواعد العامّة في الفقه المقارن : 171 . جامع البيان 6 : 189 . أحكام القرآن ( الجصاص ) 2 : 215 .
( 5 ) القواعد العامة في الفقه المقارن : 172 . جامع البيان 2 : 212 . أحكام القرآن ( الجصاص ) 1 : 252 .
( 6 ) قرب الإسناد : 84 . البرهان في تفسير القرآن 6 : 596 / 7 .
( 7 ) مسند أحمد 6 : 544 .