للمستحبّات فيرفع اليد عن استحبابها إذا تسببت بالحرج « 1 » ، وذهب آخرون إلى عدم شمولها للمستحبّات واختصاصها بالواجبات ، فالمكلّف المتحرّج إذا شاء أن يفعل المستحبّ راضياً بما يتسبب عنه من حرج ، وليس من المنّة عليه أن يرفع عنه استحباب ذلك « 2 » ، وسيرة الأولياء شاهد على ذلك ، فنجدهم يقدمون على ما فيه الحرج الشديد فيتعمّدون المشيء إلى بيت الله الحرام ، ونحو ذلك طلباً ورغبةً في الثواب ، وإن تسبب ذلك لهم بالحرج الشديد « 3 » .
5 - قاعدة لا حرج وشمولها للأحكام الوضعية :
قد يستظهر من أدلّة نفي العسر والحرج نفي الإلزام الشرعي ، فلا تكون شاملة للأحكام الوضعية ؛ لعدم الإلزام فيها ، وتختصّ القاعدة بالأحكام التكليفية ، كما هو مفاد ( عليكم ) في آية نفي الحرج ، فإنّها ظاهرة في نفي الإلزام ، ولا إلزام في الأحكام الوضعية ، فلا ترفع الآية الكريمة لزوم العقد وإن ترتّب عليه حرج « 4 » .
وذهب بعض الفقهاء إلى شمول القاعدة للأحكام الوضعية والتكليفية « 5 » .
6 - الاقدام على ما يكون فيه الحرج :
لو أقدم المكلّف على الحرج بحيث هيّأ الظروف الموضوعية لأن يوقع نفسه في الحرج ، كما لو سافر إلى بلاد سيبتلى فيها بأكل النجس أو نحو ذلك من التكاليف ، وهنا يقع البحث في تطبيق أدلّة لا حرج على الفرض المذكور ، فإنّه يمكن أن يقال بتطبيق أدلّة لا حرج على المكلّف المذكور وإن قام هو بتسبيب ذلك ؛ لأنّ قاعدة لا حرج تتبع موضوعها ، ومتى ما تحقّق موضوعها طبّقت القاعدة « 6 » .
وهناك من ذهب إلى عدم جريانها ؛ لأنّها إنّما تجري فيما إذا كان الحرج ليس للمكلّف يد فيه ، أمّا إذا قام هو بالتسبيب للحرج فلا تجري فيه « 7 » .
هامش
( 1 ) هداية المسترشدين 2 : 751 . القواعد العامّة في الفقه المقارن : 193 . الأنوار البهية : 167 .
( 2 ) راجع : التنقيح في شرح العروة الوثقى 4 : 425 - 426 .
( 3 ) القواعد العامة في الفقه المقارن : 193 .
( 4 ) القواعد العامّة في الفقه المقارن : 193 - 194 .
( 5 ) الأنوار البهية : 167 .
( 6 ) القواعد العامّة في الفقه المقارن : 198 .
( 7 ) رسالة في نفي العسر والحرج : 254 .