الاستدلال به أنه يقتضي ذم من يفسد في الأرض وهو يعتقد أنه مصلح
خطأ ، ويستلزم النهي عن اتباعه إذ متبعه يوجد هذا المعنى فيه فيكون
مذموما ، ويجب الاحتراز عن متابعة من يمكن وجود ذلك منه لاشتمال اتباعه
على الخوف والضرر المظنون ودفعهما واجب ، وغير المعصوم يجوز منه ذلك ،
بل يكون إمكان فعله وعدمه متساويين إذ داعي الأمر وصارف النفي غير
موجبين ، ويعارضهم دواعي الشهوة والغضب وهما يقتضيان الترجيح
كالأولين فيتعارض الأسباب بل يترجح كثيرا ( 1 ) . الثانية في غير المعصوم ،
فيجب ترك اتباع غير المعصوم ( 2 ) ولا شئ من الإمام يجب ترك اتباعه
لوجوب اتباعه فكان يلزم اجتماع الضدين وهما ينتجان من الثاني لا شئ من
غير المعصوم بإمام ( 3 ) وهو المطلوب .
الثامن والعشرون : قوله تعالى : * ( " وما يضل به إلا الفاسقين " " الذين
ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون
في الأرض أولئك هم الخاسرون ) * وجه الاستدلال به ما تقدم في الوجه
السابق ( 4 ) .
هامش
( 1 ) ويمكن أن نستفيد منها وجها ثالثا ، وهو نقول : إن مع هذا الاختلاف في الكتاب وتعدد
الآراء في دلالته كيف يكون هدى ، ومن ثم ضلت فرق كثيرة من الإسلام مع أن مصدرها
الكتاب ، وهذه الضلالات لا يريدها اللطيف سبحانه فلا بد أنه جعل للكتاب مبينا ومفسرا
يرفع اللبس والريب والشك في تفسيره وبيانه ، ويجعل منه الهدى لأهل التقى والصلاح ،
الذين يريدون فهم - الكتاب حقيقة والعمل فيه دون أهل الزيغ الذين يريدون اتباع المتشابه
ويحاولون المنزع للخلاف .
( 2 ) على أن غير المعصوم بفرد واحد حتى نحتمل مطابقة أحكامه وآرائه جميعا للشريعة ، بل
هم كثر ومختلفون في المشرب والمذهب ، وباختلافهم تحصل المخالفة يقينا للشريعة ، وبذلك
يحصل الفساد ، على أنهم يزعمون أنهم مصلحون ، ولا يجوز أتباع من يحتمل في أتباعه
للفساد ، فكيف بمن يعتقد فيه الفساد ؟ لأن المفروض أنهم جميعا أئمة يجب اتباعهم وباتباعهم جميعا نقع
في المخالفة المنتجة للفساد ، ولا نجاة من الفساد إلا باتباع المعصوم .
( 3 ) لأنه إذا قلنا : الإمام يجب اتباعه ، ولا شئ من غير المعصوم يجب اتباعه ، تكون النتيجة :
لا شئ من غير المعصوم بإمام .
( 4 ) وتقريبه أن نقول : إن هؤلاء الخاسرين كيف نعرف خسرانهم وأنهم يفسدون في الأرض
ويخالفون أوامر الله سبحانه ؟ فإن الكتاب والسنة لا يوضحان لنا تلك المخالفة التي عليها
هؤلاء ما دام لدلالتهما وجوه واحتمالات ، وما دام فيهما متشابه ، فإذن لا مفر من الضلالة
إلا بأن يكون معصوم يعلم التأويل .