هذا فنقول : إما أن يكون الخطاب للأمة أو للأئمة ، والأول باطل للإجماع
على أن الحدود لا يتولاها إلا الإمام أو من أذن له الإمام كما نقله
الخوارزمي ( 1 ) فتعين الثاني وإذا كان خطابا للإمام وجب أن يكون منصوبا من
قبله تعالى ليتحقق الأمر نحوه ويتوجه الخطاب إليه ، ولا يجوز أن يكون
منصوبا من قبل الأمة وإلا لكان الأمر موقوفا على أن تنصب الأمة إماما ويقبل
ذلك المنصوب الإمامة ( 2 ) لا يقال : إنه أمر مطلق بالتوصل إلى قطع السارق
والسارقة والتوصل إليه إنما يكون بقبول من يصلح للإمامة لها وبعقد من يمكنه
العقد لمن يصلح للإمامة ، فيلزم من جهة الآية على من يصلح للإمامة قطع
السارق مع مقدماته وهي قبوله للإمامة ، ولزم على من يمكنه العقد له القطع
بأن يعقد الإمامة لمن يصلح لها فيقطعه الإمام ، لأن الأمر المطلق يقتضي
وجوب الفعل على كل حال وذلك يقتضي وجوب مقدماته ، والآية دالة على
وجوب نصب الإمام على الرعايا ، لأنا نقول : الآية دلت بذاتها على القطع
وبالتبع على المقدمات وإنما يتم الأمر بالقطع على تقدير إمام معصوم من قبله
تعالى . ولا يجوز أن يجعل دالة بالذات على التوصل إلى القطع لأنه إخراج
الكلام عن حقيقته من غير ضرورة ولا دلالة عليه ، ولأن الأمر المطلق إنما
يقتضي وجوب مقدمات الفعل على من يجب عليه ذلك الفعل ، فأما وجوب
الفعل على المكلف ووجوب مقدماته على غيره فغير صحيح ، ومن يعقد
هامش
( 1 ) الظاهر أنه أراد به أخطب خوارزم أبا المؤيد الموفق بن أحمد صاحب كتاب ( مناقب أهل البيت
عليهم السلام ) المتوفى عام 568 .
( 2 ) يمكن أن يقال : بأن الخطاب متجه إلى الإمام خاصة ، ولا يكون ذلك موقوفا على شئ ، لأن
الإمامة بعد فرض وجوبها على الأمة ، وأن الأمة قائمة بهذا الفرض دائما فالإمام موجود دائما
فإليه يتجه الخطاب ، وهكذا جميع الخطابات القرآنية وغيرها ، فإنه هو الحافظ للشريعة المقيم
لحدودها والمسير لنظامها ، غير أن الشأن كله في أن الإمام تتجه إليه الخطابات القرآنية
وغيرها ، والذي يجب أن يقيم الحدود من هو عالم بالكتاب والشريعة ومن هو عالم بالحدود
ليقيمها حسبما وردت في الدين دون تحريف وتصحيف ، وأما من يجهل مفاد الخطابات ويجهل
الحدود كيف يصح خطابه وتصح إقامته للحدود ، فمن ثم يعلم أن المخاطب في - الكتاب
والسنة والمقيم للحدود كما جاءت هو الإمام المعصوم فحسب .