ظهوره فلما مر ، وأما عند غيبته فلأنه يجوز المكلف ظهوره كل لحظة فيمتنع
من الإقدام على المعاصي ، وبذلك يكون لطفا ( 1 ) لا يقال تصرف الإمام إن
كان شرطا في كونه لطفا وجب على الله تعالى فعله وتمكينه وإلا فلا لطف ،
لأنا نقول : إن تصرفه لا بد منه في كونه لطفا ولا نسلم أنه يجب
عليه تعالى تمكينه لأن اللطف إنما يجب إذا لم يناف التكليف ،
فخلق الله تعالى الأعوان للإمام ينافي التكليف وإنما لطف الإمام يحصل ويتم
بأمور ، منها : خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلوم والنص عليه باسمه
ونسبه ، وهذا يجب عليه تعالى وقد فعله ومنها : تحمل الإمامة وقبولها ، وهذا
يجب على الإمام وقد فعله ، ومنها : النصرة والذب عنه ، وامتثال أوامره ،
وقبول قوله ، وهذا يجب على الرعية ( 2 ) الثاني : المقرب إلى الطاعة والمبعد
عن المعصية والقهر والاجبار عليها ليس بلطف ، لأنه مناف للتكليف ونصب
الإمام والنص عليه وأمرهم بطاعته من الأول وقهرهم على طاعته من قبيل
الثاني لأنه من الواجبات ، فلو جاز القهر عليها لجاز على باقي الواجبات ،
ولأن طاعة الإمام هي عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى ونواهيه ، فالقهر على
هامش
( 1 ) قد يقال بأننا نجد الناس مع وجود الإمام ظاهرا يرتكبون المعاصي إذا لم يكن متمكنا ، فكيف
به غائبا ؟ وأما أن تجويز المكلف ظهوره كل لحظة فلا نراه حاجزا عن اقتحام الموبقات ، فأين
اللطف فيه ؟
فالأجدر في تعليل اللطف حال الغيبة بأن يقال نفس وجوده لطف وذلك لأن فيه إقامة
للحجة على العباد ، ولما كان خذلان الناس له هو الذي أوجب غيبته وعدم تمكينه كانت
الحجة عليهم أتم ، فهم يعلمون بأن الحجة بوجوده قائمة عليهم والتكليف غير مرفوع
عنهم ، والعصيان مسؤولون عنه ، فمن ثم يكون ذلك مقربا لهم إلى الطاعة مبعدا عن
المعصية .
( 2 ) إذا قصرت الرعية في القيام بواجب الطاعة والسمع لم يحصل التمكين ، فعدم التمكين لا من
ناحيته تعالى ، ولا من ناحية الإمام نفسه ، وإنما كان من ناحية الأمة فحسب .
وهذا لا يختص بالإمام ، فإن كثيرا من الأنبياء عليهم السلام ، لم يتمكنوا من تسيير نظامهم
وتمشية شرائعهم ، فهل كان عدم تمكنهم لعدم اللطف في بعثهم أو لتقصيرهم في التبليغ أو
لرفض الناس أقوالهم ونصحهم ، ولا يشك أحد في أن عدم التمكين إنما كان لخذلان الناس
لهم وعدم السمع والطاعة منهم .