بالأحكام في كل واقعة وتفويض استخراج ذلك إلى الاجتهاد التابع للأمارات
المختلفة والأفكار والأنظار المتباينة تكليف بما لا يطاق ، وهو محال لا يقال إذا
لزم من مجموع لا يلزم لزومه للأجزاء فلا يلزم استلزام عدم المعصوم
المحال ، لأنا نقول إذا كان ما عدا عدم المعصوم صادقا متحققا في نفس الأمر
والصادق المتحقق لا يستلزم المحال ، فتعين عدم المعصوم للاستلزام وهو
المطلوب وأيضا ، فقوله من بعد ما جاءتهم البينات يدل على طريق لظهور
الأحكام والعلم بها وإلا ليس من المعصوم في كل عصر كما تقدم فثبت .
الحادي عشر : قوله تعالى : ( وما الله يريد ظلما للعباد ) والمأمور به
مراد على ما ثبت في الأصول وكلام الأشاعرة قد أبطلناه في كتبنا الأصولية ( 1 )
هامش
( 1 ) الخلاف بين العدلية والأشاعرة في أفعال العباد معروف مشهور ، قالت العدلية : إن كان
الفعل من العبد مأمورا به منه عز شأنه فهو مراد له ، وإن لم يكن مأمورا به فليس بمراد ،
وإنما هو من أفعال العباد أنفسهم ، وقالت الأشاعرة إن كل ما هو واقع فهو مراد له سبحانه
سواء كان طاعة أو معصية .
واستدلت العدلية على ما تقول بأمرين ، الأول : إنه تعالى حكيم لا يفعل القبيح ، وكما لا
يفعله لا يريده ولا يأمر به ، فإن فعل القبيح كما كان قبيحا كانت إرادته والأمر به أيضا
قبيحا .
الثاني : إنه تعالى أمر بالطاعة ونهي عن المعصية ، والحكيم إنما يأمر بما يريد لا بما يكره ،
وينهي عما يكره لا عما يريد ، فما أمر بالطاعة إلا لأنها مرادة له ، وما نهى عن المعصية إلا
لأنها مكروهة لديه ، فلو كانت الطاعة غير مرادة له لما أمر بها ولو كانت المعصية غير مكروهة
له لما نهى عنها ، فثبت أن كل مأمور به مراد له تعالى وإن المعصية غير مرادة ولا مأمور بها
للنهي عنها .
واستدلت الأشاعرة على ما تقول بأمور ، الأول : إنه تعالى فاعل لكل موجود فتكون القبائح
مستندة إليه بإرادته .
الثاني : لو أراد الله تعالى من الكافر الطاعة ، والكافر أراد المعصية وكان الواقع ما أراده الكافر
للزم إن يكون الله تعالى مغلوبا ، إذ من يقع مراده من المريدين هو الغالب .
الثالث : إن كلما علم الله تعالى وقوعه وجب ، وما علم عدمه امتنع ، فإذا علم عدم وقوع
الطاعة من الكافر استحال منه إرادتها وإلا لكان مريدا لما يمتنع وجوده .
والجواب عن الأول بأن ذلك عين الدعوى ، فإنه تعالى فاعل كل شئ بمعنى أنه موجود
للممكنات ، فالإنسان مخلوق له تعالى ، ولكن ذلك لا يستلزم بأن تكون أفعاله أيضا مخلوقة
له ، لأننا نجد بالوجدان والضرورة ، إن أفعال العبد مستندة لاختياره ، وهو قادر على فعل
الشئ وتركه معا في آن واحد ومن ثم يصح ثوابه على الطاعة وعقابه على المعصية .
وعن الثاني : بأنه تعالى إنما يريد الطاعة من العباد على سبيل الاختيار منهم دون الجاء وقهر ولا
يتحقق ذلك إلا بإرادة المكلف نفسه ، ولو أراد تعالى الطاعة من الكافر مطلقا سواء كانت
عن اختيار أو إجبار لوقعت على كل حال ، والفرق بين الإرادتين واضح .
وعن الثالث : بأن العلم تابع للمعلوم فلا يؤثر في إمكانه ، فعلمه تعالى بأفعال عباده لا يكون
علة فاعلية لوجودها بعد إن كان متعلقا بها وتابعا لوجودها .
فمن هاهنا يتضح بطلان ما زعمه الأشاعرة ، وصحة ما يقوله العدلية ، لأنه عز شأنه يستحيل
عليه أن يأمر بطاعة غير المعصوم ، لأن الأمر بطاعته قبيح لاستلزامه الظلم للعباد ، فإن
الإمام غير المعصوم قد يقع منه الظلم وقد يأمر به فيكف يأمر تعالى بالظلم أو يريده ، فما
يقع من القبايح من العباد ، فليس بمراد له ولا مأمورا به .