الشديد فاستكانوا ، وعرف المجرمون بسيماهم فاستبانوا ، فانشقت القبور بعد طول انطباقها ، واستسلمت النفوس إلى اللّه بأسبابها ، كشف عن الآخرة غطاؤها ، وظهر للخلق أنباؤها ، فدكّت الأرض دكّا دكّا ، ومدّت لأمر يراد بها مدّا مدّا ، واشتدّ المثارون « 1 » إلى اللّه شدّا شدّا ، وتزاحفت الخلائق إلى المحشر زحفا زحفا « 2 » ، وردّ المجرمون على الأعقاب ردّا ردّا ، وجدّ الأمر - ويحك يا إنسان - جدّا جدّا ، وقرّبوا للحساب فردا فردا ، وجاء ربّك والملك صفّا صفّا ، يسألهم عمّا عملوا حرفا حرفا ، فجيء بهم عراة الأبدان ، خشّعا أبصارهم ، أمامهم الحساب ، ومن ورائهم جهنّم ، يسمعون زفيرها ، ويرون سعيرها ، فلم يجدوا ناصرا ولا وليّا يجيرهم من الذلّ ، فهم يعدون سراعا إلى مواقف الحشر ، يساقون سوقا ، فالسماوات مطويّات بيمينه كطيّ السجلّ للكتب « 3 » ، والعباد على الصراط وجلت قلوبهم ، يظنّون أنّهم لا يسلمون ، ولا يؤذن لهم فيتكلّمون ، ولا يقبل منهم فيعتذرون ، قد ختم على أفواههم ، واستنطقت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون .
يا لها من ساعة ما أشجى مواقعها من القلوب حين ميّز بين الفريقين ، فريق في الجنّة وفريق في السعير ، من مثل هذا فليهرب الهاربون ، إذا كانت الدار الآخرة لها يعمل العاملون » . ( أمالي الطوسي : المجلس 34 ، الحديث 3 )
( 4230 ) « 37 * » - أخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن شاذان ، عن محمّد بن عليّ بن
هامش
( 1 ) المثارون : أي الّذين حركوا وهيجوا إلى فصل القضاء ومحكمة العدل الإلهيّة .
( 2 ) الزحف - كفلس - : المشي في ثقل وهدوء ، المشي على الركبة - أو على المقعدة - قليلا قليلا .
( 3 ) اقتباس من الآية 104 من سورة الأنبياء : 21 .
( 37 * ) - وأورده ورّام بن أبي فراس في تنبيه الخواطر : 2 : 88 - 89 من قوله عليه السّلام : « أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه » .
وانظر المختار 83 من خطب نهج البلاغة .