كلّ هارب ، ودرك كلّ طالب ، وظفر كلّ غالب ، وأحثّكم على طاعة اللّه فإنّها كهف العابدين ، وفوز الفائزين ، وأمان المتّقين .
واعلموا - أيّها النّاس - أنّكم سيّارة ، قد حدا بكم الحادي ، وحدا لخراب الدنيا حادي « 1 » ، وناداكم للموت منادي ، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ، ولا يغرّنكم باللّه الغرور .
ألا وإنّ الدنيا دار غرّارة خدّاعة ، تنكح في كلّ يوم بعلا ، وتقتل في كلّ ليلة أهلا ، وتفرّق في كلّ ساعة شملا ، فكم من منافس « 2 » فيها ، وراكن إليها من الأمم السالفة ، قد قذفتهم في الهاوية ، ودمّرتهم تدميرا ، وتبّرتهم تتبيرا ، وأصلتهم سعيرا .
أين من جمع فأوعى ، وشدّ فأوكى ، ومنع فأكدى « 3 » ؟ ! بلى أين من عسكر العساكر ، ودسكر الدساكر « 4 » ، وركب المنابر ؟ أين من بنى الدور ، وشرّف القصور ، وجمهر الألوف « 5 » ؟ قد تداولتهم أيّامها ، وابتلعتهم أعوامها ، فصاروا
هامش
( 1 ) في تنبيه الخواطر : « وحدا لخراب الدنيا حاد » . يقال : « حذا زيد الإبل أو بالإبل - من باب دعا - حدوا وحداءا » : ساقها وغنى لها ، فهو حاد ، والجمع حداة ، و « حدت الريح السحاب » : ساقته ، وحداه على كذا : بعثه وساقه .
( 2 ) في تنبيه الخواطر : « متنافس » . يقال : « نافس فلان في الأمر نفاسا ومنافسة ، وتنافس القوم في الأمر تنافسا » : رغبوا فيه . و « راكن إليها » : ساكن إليها وواثق بها .
( 3 ) « أوعى الشيء إيعاعا » : جعله في الوعاء ، و « أوعى الرجل المال ، وعليه » : شحّ وبخل عليه . و « أوكى الرجل ايكاء » : بخل . سعى شديدا . والقربة : شدّها بالوكاء . و « أكدى فلان إكداء » : بخل في العطاء . و « سألت زيدا فأكدى » : أي فوجدته مثل الكدية أي الأرض الصلبة الغليظة الّتي لا يمكن حفرها ، أو الصفاة العظيمة الشديدة الّتي لا يمكن كسرها . و « أكدى فلانا عن حاجته » : ردّه عنها ومنعها منه .
( 4 ) « دسكر الدساكر » : بناها وجعلها دسكرة ، أي قرية عظيمة ومدينة .
( 5 ) « شرف القصور - من باب نصر - شرفا » ، و « شرّفها تشريفا » : جهل لها الشرفة - كغرفة - وهي ما أشرف من بنائها . أو الشرفة - محرّكة - وهي مثلّثات أو مربّعات أو نحوها تبنى -