قال : « ثلاث خصال من كنّ فيه سلمت له الدنيا والآخرة : من أمر بالمعروف وائتمر به ، ونهى عن المنكر وانته عنه ، وحافظ على حدود اللّه .
يا غلام ، أيسرّك أن تلقى اللّه يوم القيامة وهو عنك راض » ؟
قلت : نعم ، يا أمير المؤمنين .
قال : « كن في الدنيا زاهدا ، وفي الآخرة راغبا ، وعليك بالصدق في جميع أمورك ، فإنّ اللّه تعبّدك « 1 » وجميع خلقه بالصدق » .
ثمّ مشى حتّى دخل سوق البصرة ، فنظر إلى الناس يبيعون ويشترون ، فبكى عليه السّلام بكاء شديدا ، ثمّ قال : « يا عبيد الدنيا وعمّال أهلها ، إذا كنتم بالنهار تحلفون ، وبالليل في فرشكم « 2 » تنامون ، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون ، فمتى تحرزون « 3 » الزاد ، وتفكّرون في المعاد » ؟ !
فقال له الرجل : يا أمير المؤمنين ، إنّه لا بدّ لنا من المعاش ، فكيف نصنع ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « إنّ طلب المعاش من حلّه لا يشغل عن عمل الآخرة ، فإن قلت : لا بدّ لنا من الاحتكار لم تكن معذورا » .
فولّى الرجل باكيا ، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام : « أقبل عليّ أزدك بيانا » .
فعاد الرجل إليه ، فقال له : « اعلم يا عبد اللّه ، أنّ كلّ عامل في الدنيا للآخرة لا بدّ أن يوفّى أجر عمله في الآخرة ، وكلّ عامل دينا للدنيا عمالته « 4 » في الآخرة نار جهنّم » .
ثمّ تلا أمير المؤمنين عليه السّلام قوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
« 5 » . ( أمالي المفيد : المجلس 14 ، الحديث 3 )
هامش
( 1 ) تعبده : أي دعاه للطاعة ، أو اتّخذه عبدا له . وفي النسخ : « يعبدك » .
( 2 ) في بعض النسخ والبحار : « فراشكم » .
( 3 ) في البحار : « تجهزون » .
( 4 ) العمالة - بالضمّ والكسر - : أجر العامل ، رزقه .
( 5 ) سورة النازعات : 79 : 37 - 39 .