الحوزويّة .
لكن : خارجا عن ذلك ، يعنينا أن نلحظ انعكاسات تقواه - ونحن نتحدّث أساسا عن موقعه العلميّ - على ممارساته الفقهيّة متمثلة بطبيعة استخلاصه للحكم الشرعيّ ( الفتوى ) بحيث تظلّ ظاهرة ( الاحتياط ) في صياغة الحكم معلما لافتا في ممارساته إلى حدّ مذهل .
طبيعيّا ، لا يعني هذا أن الفقهاء الذين تضمر لديهم ظاهرة الاحتياط يظلّون موضع تساؤل ، بقدر ما يعني أنّ السمة المركزيّة للشخصيّة أي الطابع الأشدّ ظهورا من سائر طوابع الشخصيّة إنّما يعكس أثره على الطوابع الأخرى . والمهم أنّ طبيعة الأدلّة التي يتوكّأ عليها الفقيه - من جانب آخر - تسهم دون أدنى شكّ في تحفّظه حيال الفتوى : بخاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ ضبابية كثير من الأدلّة تجعل نمطا خاصّا من الفقهاء يتوغل - ما وسعه الجهد - في مسالك متنوعة من الاحتمالات التي تفضي في النهاية إلى تحصيل اليقين العلميّ للظاهرة . لكن : تظلّ ضبابية الأدلّة في نهاية المطاف هي المتحكّمة في تحديد الفتوى بما تستتبعه من ركون إلى الاحتياط ، وأحيانا يتعذّر حتّى هذا الجانب نظرا لتشابك الأدلّة المذكورة . وقد عبّر المقدّس الأردبيليّ بمرارة عن هذا الجانب - وهو يتناول ظاهرة صلاة الجمعة - قائلا :
« وبالجملة : الخلاص من الشكوك والشبهة للمؤمنين مما لا يمكن إلّا بظهور وليّ الأمر والناطق بالحقّ اليقين ، وأمّا من دونه فالأمر صعب . . . فإنّي ما أفهم مسألة خالية عن شيء من الشبهات إلّا قليلة من الكثيرات . . . الخ » « 1 » .
وأيّا كان الأمر ، فان الجانب الذي نودّ أن نلفت النظر اليه قبل مواصلتنا الحديث عن الطابع الاحتياطيّ الذي يسم شخصيّة « الأردبيليّ » هو : التوفيق بين وجهين قد يبدوان متضاربين في الظاهر ، وهما : الوجه الاحتياطيّ من جانب ، والتأكيد
هامش
( 1 ) - اعتمدنا في هذه المقالة كتابه « مجمع الفائدة والبرهان » طبعة جامعة المدرّسين . ينظر 2 : 264 .