قد عصمه وسدّده ، وإنّما الأمر بالشورى لغايات أُخرى ، منها : تأليف قلوب الناس ، وإشراكهم في القرار في شؤون الولاية والحكم ، وليكون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أُسوة لسائر الحكّام والولاة .
فقد أخرج ابن عدي والبيهقي بسند حسن عن ابن عباس ، قال : لمّا نزلت
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :
أما إنّ اللَّه ورسوله لغنيّان عنها ، ولكن جعلها اللَّه رحمةً لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ، ومن تركها لم يعدم علماً « 1 » .
وقال قتادة والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق : « إنّما أمره بها تطييباً لنفوسهم ، ورفعاً من أقدارهم إذا كانوا ممّن يوثق بقولهم ، ويرجع إلى رأيهم » « 2 » .
وقال سفيان بن عيينة : « أمره بالمشاورة لتقتدي به أُمته فيها ، ولا تراها منقصة ، كما مدحهم اللَّه تعالى : أنّ أمرهم شورى بينهم « 3 » .
و « الأمر » في الآية الكريمة بمعنى الولاية وشؤون الدولة والسياسة في السلم والحرب ، وهو تعبير شائع في هذا المعنى ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام :
فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة
، وكما ورد في حديث « مجاري الأمور على أيدي العلماء » .
فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
وهو كالصريح في أنّ الإسلام لم يحط للشورى قيمة القرار ، وإنّما القرار والعزم لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ، ثم من بعده لخلفائه أئمة المسلمين ، وإن ألزم أولياء الأُمور بالشورى ، فإنّ الإلزام بالشورى ليس بمعنى الالتزام برأي الأكثرية في الشورى ، وبينهما فرق ، وآية آل عمران تتكفّل النقطة
هامش
( 1 ) . الدرّ المنثور للسيوطي 2 : 90 عند تفسير الآية : 159 من آل عمران .
( 2 ) . أحكام القرآن 2 : 30 .
( 3 ) . المصدر السابق .