هذه الحقيقة في عمق فطرتهم وآمنوا بها ، والتزموا تجاهها بالطاعة في كلّ أمرٍ ونهي . . . ولا يخلو إنسان عن كلّ ذلك ، حتّى ولو انحرف عن اللَّه وألحد به تعالى .
ولذلك فليس لهم أن يقولوا يوم القيامة
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
لأنّهم يتذكّرون جيداً هذا الإيمان والإقرار والتعهّد والميثاق في فترةٍ من فترات حياتهم ، عند تفتّح الفطرة ، وقبل أن تنطمس .
ويجري هذا التعهّد بحكم العقل الضروري ، فلا تخلو منه فطرة إنسان ، لأنّه من متطلبّات الفطرة الإنسانية عامّة ، ما لم يشذّ الإنسان عن الفطرة ، وتفسد فطرته .
ولا يمكن أن يتنصّل أحد من متطلّبات هذا الإيمان والإقرار والتعهّد والميثاق ، لأنّه يتمّ بمقتضى الحكم العقلي الضروري ( النظري والعملي ) « 1 » .
ولا يستطيع العقل أن يحكم بغير ذلك ، فإنّ العقل حيث يؤمن بوجود العلاقة التكوينية بين الإنسان وبين اللَّه ، وهي علاقة العبودية ، والربوبية ، والملك ، والخلق ، والتكوين ، والإبداع ، والرزق ، والحفظ ، والستر . . . لا يملك إلّاالحكم بالطاعة للَّه تعالى على الإنسان ؛ أداءً لحقّ الربوبية والعبودية .
وكما كان الحكم النظري الأول ( الإقرار بالربوبية والعبودية ) ضرورياً وواجباً ، كذلك الحكم العملي الثاني بالتعهّد ( الطاعة ) لابدّ أن يكون ضرورياً وواجباً .
وهذا الميثاق الذي يجري داخل فطرة كلّ إنسانٍ هو أساس الطاعة ، والمبنى العلمي لشرعية الطاعة في الإسلام .
وعندما يتقرّر وجوب طاعة اللَّه على الإنسان بصورة علمية وعقلية وفطريّة ، عندئذٍ يتيسّر لنا تعريف كلّ طاعة مشروعة ، وتمييز الطاعة المشروعة عن غيرها .
هامش
( 1 ) . ليس لدينا عقلان : عقل نظري وعقل عملي ، وإنّما العقل واحد ، ولكن جرى الاصطلاح على تسمية الحكم العقلي عندما يتعلّق بالأُمور النظرية بالعقل النظري ، وتسميته عندما يتعلّق بالأُمور العملية بالعقل العملي .