فلمّا جلس كان أول متكلّم العباس بن عبد المطلب ، فقال : ( يا معشر الخزرج ، إنّ محمّداً منّا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ، فمن هو على مثل رأينا فيه . . . ) ، فهو وكما نرى فهذا نوع آخر من البيعة قوامها الطاعة والتسليم لإمامة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم والقبول بولايته وحاكميته ، وهو يختلف اختلافاً واضحاً عن بيعة العقبة الأولى التي كانت تدور حول محور الدعوة وتعاليمها ، والالتزام بهذه التعاليم .
3 - بيعة القتال والجهاد
وهذا هو النوع الثالث من البيعة في سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وقوامها التعهّد بالطاعة في ساحة القتال ، وتحمّل الضرّاء والبأساء حتى الموت ، والى هذه البيعة تشير الآيتان الواردتان في سورة الفتح :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
« 1 » .
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً
« 2 » .
وهذه البيعة هي ( بيعة الرضوان ) أو ( بيعة الشجرة ) وخلاصة هذه البيعة : أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم استنفر أصحابه للعمرة ، فخرج معه ألف وثلاثمائة وستون ، ومعه سبعون بدنة ، وقال : لست أحمل السلاح ، إنّما خرجت معتمراً ، وأحرموا من ذي الحليفة ، وساروا حتى دنوا من الحديبية على تسعة أميال من مكة ، فبلغ الخبر أهل مكة فراعهم ، واستنفروا من أطاعهم من القبائل حولهم ، وقدموا مائتي فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن أبي جهل ، فاستعدّ لهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : اللَّه
هامش
( 1 ) . الفتح : 10 .
( 2 ) . الفتح : 18 .