مباحث الألفاظ كباب « الوضع » و « الحقيقة والمجاز » و « الاشتراك » ونحوها ، وإن تعرّض أكثرهم لذلك في ذيل بحث الاشتراك وفي استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد . ولم يبحث عنه مستقلًا في مبحث خاص ، إلّاأنّ بعض المتأخرين « 1 » فتح باباً خاصاً في مبحث الألفاظ وجمع فيه شتات البحث .
حقيقة الاستعمال
وقع البحث بين الأصوليين في حقيقة الاستعمال ، ويرجع كلامهم فيه إلى قولين رئيسين ، وهما عبارة عن أنّ الاستعمال جعل اللفظ علامة المعنى وأمارة عليه ، أو أنّه إفناء اللفظ في المعنى .
المشهور « 2 » بين المتأخرين من الإمامية : أنّ حقيقة الاستعمال ليست جعل اللفظ علامة على إرادة تفهيم المعنى ، بل إيجاد المعنى باللفظ ، وجعل اللفظ فانياً في المعنى فناء المرآة في المرئي ، بحيث يكون هو الملقى رأساً ، فالمعنى هو الملحوظ أولًا وبالذات ، واللفظ ملحوظ بالتبع وفانٍ فيه ، وهذا ما صرّح به جماعة : كالمحقّق الخراساني « 3 » ، والنائيني « 4 » ، والعراقي « 5 » ، وغيرهم « 6 » ، مع اختلاف في البيان .
كما عرّفه المحقّق الأصفهاني « 7 » : بأ نّه إيجاد المعنى في الخارج باللفظ إيجاداً عرضياً ، إلّاأ نّه صرّح بأنّ اللفظ في عملية الاستعمال يصير فانياً في المعنى « 8 » .
كما يمكن استظهار ذلك من بعض عبارات الأصوليين من علماء الجمهور « 9 » ، حيث ذكروا في بيان وجه امتناع استعمال اللفظ في أكثر من معنى ، التمثيل بالكسوة فجعلوا نسبة اللفظ إلى المعنى كنسبة الكسوة الواحدة إلى شخص واحد فقط ، وهو قريب من فناء اللفظ في المعنى ؛ بحيث يصير اللفظ وجهاً وعنواناً للمعنى .
بينما ذهب السيد الخوئي « 10 » والإمام الخميني « 11 » وغيرهما « 12 » إلى أنّ الاستعمال من باب العلامية ، لكن السيد الخوئي بنى المسألة على المباني في حقيقة الوضع ، فإنّه بناءً على أنّها تنزيل اللفظ منزلة المعنى يكون الاستعمال إفناءً في المعنى وإيجاداً للمعنى باللفظ ، وبناءً على أنّ حقيقة الوضع هي التعهّد - كما هو الحق لديه - يكون الاستعمال جعل اللفظ علامة للمعنى ؛ لأنّ الاستعمال ليس إلّا فعلية ذلك التعهّد وجعل اللفظ علامة لإبراز ما قصد المتكلم إفهامه .
كما أنّ تفسير الوضع باعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له ، أو بجعل اللفظ على المعنى في عالم الاعتبار أيضاً ، لا يستدعي فناء اللفظ في مقام الاستعمال « 13 » .
وعرّفه الشهيد الصدر - مع إنكاره لمسلك الفناء « 14 » -
هامش
( 1 ) . انظر : بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 1 : 131 - 159 .
( 2 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 98 ، 207 .
( 3 ) . كفاية الأصول : 36 .
( 4 ) . أجود التقريرات 1 : 44 - 45 ، 76 .
( 5 ) . نهاية الأفكار 1 - 2 : 61 .
( 6 ) . انظر : منتقى الأصول 1 : 313 - 314 .
( 7 ) . نهاية الدراية 1 : 152 .
( 8 ) . انظر المصدر السابق : 156 .
( 9 ) . انظر : أصول السرخسي 1 : 173 ، أصول الفقه الإسلامي في نسيجهالجديد : 398 .
( 10 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 98 .
( 11 ) . مناهج الوصول 1 : 183 .
( 12 ) . عمدة الأصول 1 : 473 .
( 13 ) . محاضرات في أصول الفقه 1 : 208 .
( 14 ) . بحوث في علم الأصول ( الهاشمي ) 1 : 152 - 153 .