بما لا يعلم ، ومن دان اللَّه بما لا يعلم فقد ضادّ اللَّه حيث أحلَّ وحرَّم فيما لا يعلم » « 1 » .
وقال أبو عبداللَّه عليه السلام : « فإنَّ علياً عليه السلام أبى أن يدخل في دين اللَّه الرأي ، وأن يقول في شيء من دين اللَّه بالرأي والمقاييس » « 2 » .
عن أبي بصير قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام : ترد علينا أشياء لا نجدها في الكتاب والسنّة فنقول فيها برأينا ، فقال :
« أما أنّك إن أصبت لم توجر ، وإن أخطأت كذبت على اللَّه » « 3 » .
وعلى هذا ، يكون الاستحسان ممَّا وردت فيه الروايات الكثيرة ناهية عنه ومحذّرة العامل به تحذيراً شديداً ، لا بعنوان الاستحسان بل بعنوان القياس أو الاجتهاد بالرأي .
هذا إذا قلنا بكونه من قبيل القياس أو الاجتهاد بالرأي ، أمَّا إذا أخرجناه عن هذا النطاق لندخله بعناوين أخرى ، كالدليل العقلي ، أو من قبيل الدليل المخصِّص والمقيِّد المستوحى من نص أو إجماع ، فلا يكون ممَّا وردت فيه الروايات المزبورة .
أدلَّة الشافعي على نفي حجّية الاستحسان
ساق الشافعي « 4 » عدَّة أدلَّة لنفي حجّية الاستحسان ، يمكن تحديدها في الأمور التالية :
الأوَّل :
الاستحسان ليس نصَّاً ولا قياساً ، والشارع لم يترك شيئاً دون بيانه بنصٍّ أو قياس وفقاً للآية الكريمة :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً »
« 5 » ، وهو في النتيجة مناقض لها .
الثاني :
الكثير من الآيات تأمر بطاعة اللَّه ورسوله ، وتنهى عن اتّباع الهوى والردّ إلى كتاب اللَّه ورسوله عند التنازع ، من قبيل قوله تعالى :
« فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ »
« 6 » والرجوع إلى الاستحسان لايعدُّ ردَّاً إلى كتاب اللَّه ولا رسوله .
الثالث :
لم نأثر عن النبي إفتاءه باستحسانه ، وفي الرجل الذي قال لامرأته : ( أنت عليَّ كظهر أمّي ) انتظر حتَّى تنزل آية الظهار ، وكذلك في الرجل الذي وجد آخر مع امرأته ويتَّهمها بالزنا ، فقد انتظر حتَّى نزلت آية اللعان .
ولو جاز الاستحسان لأحد فالرسول صلى الله عليه وآله أولى به من غيره .
الرابع :
استنكر النبيّ بعض الصحابة على استحساناتهم ، من قبيل استنكاره على أسامة لقتله من قال : ( أسلمت تحت حرّ السيف ) ، واستنكاره لبعض الصحابة على إحراقهم مشركاً لاذ بشجرة .
الخامس :
لا توجد ضابطة تحدّد الاستحسان وتفرض له نطاقاً خاصَّاً ، ممَّا يجعل الأحكام عرضة للأهواء والشهوات ، وقد تختلف الأذواق والاستحسانات لدى المجتهدين والمفتين ، فتختلف الأحكام في الموضوع الواحد .
السادس :
لو كان الاستحسان اعتماداً على العقل جائزاً ، لجاز صدوره من أيٍّ من العقلاء ، وإن كانوا غير عالمين بالكتاب والسنّة ؛ وذلك لتوافره لديهم ، بل قد يفوق
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 27 : 41 كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب ( 6 ) عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد ح 12 .
( 2 ) . وسائل الشيعة 27 : 51 كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب ( 6 ) عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد ح 33 .
( 3 ) . وسائل الشيعة 27 : 51 كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ، باب ( 6 ) عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد ح 35 .
( 4 ) . انظر : الأمّ 7 : 313 - 320 ، الرسالة : 503 - 508 .
( 5 ) . القيامة : 36 .
( 6 ) . النساء : 59 .