لا يبعد اتفاق المسلمين على هذه الموارد المذكورة ؛ لعدم وجود مخالف حسب الظاهر ، لكن من المحتمل أنّ دليل هذه الأحكام الإجماع في مواردها بالخصوص ، أي أنّ المسلمين أجمعوا على شرعية ما تقدَّم ، وعندئذٍ تخرج هذه الموارد عن موضوع الاستحسان لتدخل في الإجماع « 1 » .
ومن المحتمل كذلك أن تكون سيرة المسلمين قائمة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله وحتى الآن على ما تقدَّم من الأمور ، وهي سيرة ممضاة من قبله ؛ لأنّه لم يرد ردع منه عليها . هذا مضافاً إلى وجود قرينة حالية تدلُّ على أنَّ مقدار الماء المستهلك لابدَّ وأن يكون متعارفاً ، والبناء في المعاملة على ذلك المقدار ، وإتلاف الأكثر منه يستلزم ضمان عوضه « 2 » .
ولا يمكن نفي أيٍّ من هذه الاحتمالات ، كما لم يُطرح دليل خاص على إثبات كون شرعية الأمور الماضية حاصلة بالاستحسان ، ولإثبات ذلك لا بدَّ من دليل غير ما مضى .
العقل
وقد يذكر دليل رابع عقلي على الاستحسان ، وهو أنَّ منشأه أحد الأدلّة المتّفق عليها ، وهي القرآن والسنّة والإجماع والقياس ( كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك ) وإذا كانت تلك حجّة فالاستحسان حجّة كذلك .
وردّ هذا واضح ، من حيث إنَّ الاستحسان إذا كان أحد الحجج المزبورة فيخرج عن كونه دليلًا مستقلًا ويندرج في تلك الأدلّة ، بينما الكلام هنا فيه كدليل مستقل « 3 » .
أدلَّة النافين لحجّية الاستحسان
قد يكتفي النافون لحجّية الاستحسان بانعدام الدليل عليه ، وفي مجال الأدلة النصيّة فإنَّه لم يرد ذكر لهذا العنوان في الروايات والآثار ، سواء التي وردت عن طرق الشيعة أم عن طرق السنّة ، ولم يكن للاستحسان بعنوانه الخاص نصيب في الروايات ، مثلما كان للقياس كأحد الأدلَّة التي أثارت الجدل بين الشيعة والسنّة من جانب ، والسنّة فيما بينهم من جانب آخر .
سبب عدم ذكر الاستحسان في الروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله واضح ، فإنّه لم تكن هناك حاجة عهد الرسول صلى الله عليه وآله لاستنباط الأحكام ، وكان وجود الرسول يغني عن التفكير بآلية للاستنباط ، وجلّ الكلام في ورود أو عدم ورود هذا العنوان في مثل روايات أهل البيت عليهم السلام أو روايات الصحابة .
لم يرد شيء عن هذا العنوان في روايات الصحابة ، وكذا روايات أهل البيت ، هذا مع أنَّ القائلين به بدأوا ممارسته في القرن الثاني من الهجرة ، ولا يمكن القول هنا بأنّ الاستحسان لم يكن مطروحاً في عهد الأئمة عليهم السلام ، فإنَّ بعض المعاصرين لهم مثل الشافعي تعرَّض له ، وهو يكشف عن وجود قائل به آنذاك .
وقد يرجع عدم ذكره في روايات أهل البيت إلى اعتباره نوع قياس « 4 » ، فيندرج ضمن روايات القياس ، أو أنَّه نوع اجتهاد بالرأي « 5 » ، أو أنَّهما متَّحدان في المعنى ، ولا فرق في المراد منهما وإن اختلفت الألفاظ « 6 » ، وبذلك يكون مشمولًا لروايات من قبيل الروايات التالية :
قال : أبو جعفر عليه السلام : « من أفتى الناس برأيه فقد دان اللَّه
هامش
( 1 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 94 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 361 .
( 2 ) . انظر : المستصفى 1 : 255 ، روضة الناظر : 85 .
( 3 ) . انظر : نظرية الاستحسان : 119 .
( 4 ) . كما ورد ذلك في التعاريف الواردة في كشف الأسرار ( البخاري ) 4 : 8 ، أصول الفقه ( ابن مفلح ) 4 : 1463 ، المسوّدة : 402 .
( 5 ) . كما عرَّفه بعض مثل الآمدي : بأنَّه ترك وجه من وجوه الاجتهاد . انظر : الإحكام 3 - 4 : 392 .
( 6 ) . كما ساوى بينهما ابن حزم ، انظر : الإحكام 5 - 8 : 192 .