على الأولى ، مضافاً إلى أنَّها قد صرَّحت بأنَّ الأحسن ما أنزل فلا يشمل كلّ أحسن ولو لم يكن غير منزّل « 1 » .
وعلى فرض كون الاستحسان أحسن ، فإنَّه لا دليل على كونه منزَّلًا « 2 » .
وممّا استدلّ به من الآيات هو الآية الكريمة :
« يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »
« 3 » ؛ وذلك باعتبار أنَّ الأخذ بالاستحسان من مصاديق ترك العسر إلى اليسر ، وهو أصل في الدين « 4 » .
لكن الاستدلال بالآية واضح البطلان من حيث إنّها أخصّ من المطلوب ، فقد تفيد الإباحة والترخيص في الأخذ باليسير ، لكن ليس ذلك على نحو الإطلاق ، فهي تفيد الأخذ باليسير الذي له مبرّر شرعي ويعدُّ دليلًا شرعياً لا مطلق اليسير ولو لم يكن له مبرِّر شرعي ، بينما الكلام هنا عن أصل شرعية الاستحسان وتبريره الشرعي ، ولو ثبتت الشرعية فلا نشكّ في الأخذ به .
السنّة
أدلتهم من السنّة ما نقله ابن مسعود عن الرسول صلى الله عليه وآله ، حيث قال : « ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللَّه حسن » « 5 » .
يرد على الاستدلال به ما يلي :
أولًا : أنَّه خبر موقوف على ابن مسعود ، ولم يسند إلى الرسول صلى الله عليه وآله « 6 » ، وربَّما كان كلاماً لابن مسعود لا حديثاً شريفاً « 7 » .
ثانياً : لفظ الاستحسان بمعناه المصطلح من الألفاظ المستحدثة بعد ابن مسعود ، فلا يمكن تفسير المعنى المزبور به « 8 » .
ثالثاً : على فرض كونه وارداً عن الرسول فهو خبر واحد ، ولا تثبت به الأصول « 9 » .
رابعاً : أنَّه إشارة إلى إجماع المسلمين « 10 » ، أي ما رآه جميع المسلمين « 11 » ، وبذلك يكون دليلًا على حجّية الإجماع لا الاستحسان « 12 » .
وقد يقال بأنّ الحديث إشارة إلى قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع « 13 » ، وهو - عندئذٍ - غير مؤهَّل للاستدلال به على الاستحسان .
الإجماع
الدليل الثالث هو الإجماع ، وذلك من خلال ما قيل من إجماع الأمة على استحسان دخول الحمام من غير تقدير عوضٍ للماء المستعمل ، ولا تقدير مدة المكث فيه ، وتقدير أجرته ، واستحسان شرب الماء من أيدي السقائين من غير تقدير في الماء وعوضه « 14 » .
هامش
( 1 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 360 .
( 2 ) . انظر : روضة الناظر : 85 - 86 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 360 .
( 3 ) . البقرة : 185 .
( 4 ) . المبسوط ( السرخسي ) 10 : 145 .
( 5 ) . انظر : مسند الطيالسي : 33 ، مسند أحمد 1 : 626 ح 3589 ، المعجم الكبير 9 : 113 ، بحار الأنوار 22 : 450 - 451 .
( 6 ) . انظر : الإحكام ( ابن حزم ) 5 - 8 : 194 ، البحر المحيط 6 : 94 .
( 7 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 360 .
( 8 ) . الأصول العامة للفقه المقارن : 361 .
( 9 ) . المستصفى 1 : 255 .
( 10 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 394 ، شرح المعالم ( ابن التلمساني ) 2 : 472 .
( 11 ) . المستصفى 1 : 255 .
( 12 ) . انظر : المستصفى 1 : 255 ، روضة الناظر : 86 .
( 13 ) . انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 361 .
( 14 ) . الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 391 .