حيث إنّه في ارتكاب الشبهة مظنة الوقوع في الضرر ، وقد دلّ العقل على لزوم التحرّز عنه « 1 » .
وقد نوقش التصوير المذكور ، بأنّ الضرر الذي يراد دفعه بقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل : إمّا أن يراد به الضرر الأخروي أي العقاب ، أو يراد به الضرر الدنيوي ، أو يراد به المفسدة المقتضية لجعل الحرمة .
فإن كان المراد به العقاب فإنّه إمّا أن يكون وجوب دفعه نفسياً أو غيرياً أو طريقياً أو إرشادياً ، والاحتمالات الثلاثة الأُول باطلة ، أمّا الوجوب الغيري فهو غير محتمل ؛ لأ نّه يفرض فيما إذا توقّف واجب على واجب آخر ، فيترشح الوجوب منه عليه ، ولا يوجد في المقام واجب متوقّف على دفع العقاب الأخروي ليترشح الوجوب منه إليه .
وأمّا الوجوب النفسي ، فإنّ العقاب إنّما يكون على مخالفة نفسه لا مخالفة التكليف الواقعي المجهول ، وإذا لم يكن التكليف واصلًا إلى المكلّف كما هو الفرض في المقام لايترتّب عليه عقاب .
وأمّا الوجوب الطريقي ، فإنّ احتمال التكليف الواقعي لا يستلزم احتمال العقاب ؛ لأنّه ما دام التكليف لم يصل إلى المكلّف بنفسه أو بطريقه لا يوجد احتمال للعقاب أصلًا .
فتعيّن كونه إرشادياً إلى حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل .
وإن كان المراد به الضرر الدنيوي ، فهو ممنوع صغرى وكبرى ، أمّا الصغرى ؛ فلأ نّه لا ملازمة بين ارتكاب الحرام وبين الضرر الدنيوي ، وأمّا الكبرى ؛ فلأنه لا يستقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي .
وإن كان المراد به المفسدة المقتضية لجعل الحرمة ، فإنّ الصغرى وهي أنّ احتمال الحرمة في شيء لا ينفك عن احتمال المفسدة فيه ، وإن كانت سليمة ، إلّاأنّ الكبرى فيه ممنوعة ؛ لعدم حكم العقل بوجوب دفع المفسدة المحتملة « 2 » .
وهناك تصويرات أخرى لدليل العقل ذكرها الحرّ العاملي « 3 » .
القول الثالث : عدم مشروعية الاحتياط .
وهذا القول نسبه البحراني والنراقي إلى بعض متأخري المجتهدين « 4 » .
باعتبار أنّ الاحتياط ليس بحكم شرعي ، فلا يجوز العمل به ، بل الواجب العمل بما دلّ عليه الدليل ورجّحه ، والعمل بالاحتياط ليس ممّا دلّ عليه الدليل ، فلا يكون العمل به مشروعاً « 5 » .
ويمكن أن يردّ بما دلّ على الأمر بالاحتياط ، وكون الملاك الداعي هو في نفس الاحتياط لا فيما يحتاط له ، فإنّ في نفس الاحتياط ملاكاً يستدعي الأمر به ، وهو الحفاظ على ملاكات الشارع وأحكامه الواقعية « 6 » .
الأمر الثاني : شروط حسن الاحتياط ومشروعيته
يشترط في حسن الاحتياط ومشروعيته عدّة شروط :
الأول : أن لا يلزم منه اختلال النظام أو العسر والحرج
، فمع كونه مخلًا بالنظام لا يصدق عنوان الاحتياط . وهو
هامش
( 1 ) . الفوائد الطوسية : 506 .
( 2 ) . انظر : مصباح الأصول 2 : 284 - 288 .
( 3 ) . انظر : الفوائد الطوسية : 506 - 509 .
( 4 ) . الحدائق الناضرة 1 : 65 ، مناهج الأحكام والأصول : 242 .
( 5 ) . الحدائق الناضرة 1 : 77 .
( 6 ) . انظر : عوائد الأيام : 500 - 501 ، فرائد الأصول 2 : 103 ، فوائد الأصول 3 : 399 .