ثابت بدليله الخاص ، وإنّما يراد نفي المحذور المانع من ثبوت الاستحباب هنا ، والمانع مفقود لكون متعلق الاستحباب عبارة عن تجنب مخالفة الواقع المشكوك ولو لم يكن بقصد قربي ، وهذا هو مدلول الروايات الآمرة بالاحتياط ، وإن لم يكن مدلولًا للعقل لاستقلاله بحسن الاحتياط المقترن بقصد القربة لا بدونها « 1 » .
ولذلك ذهب كلٌّ من الأنصاري « 2 » والنائيني « 3 » إلى أنّه يمكن حمل أوامر الاحتياط على المولوية بملاك في نفس الاحتياط ، لا بملاك ما يُحتاط فيه ، كما هو ظاهر قوله عليه السلام :
« من ارتكب الشبهات نازعته أن يقع في المحرّمات » « 4 » ، وقوله عليه السلام : « فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم ، فهو لما استبان له أترك » « 5 » ، فإنّ في نفس الاحتياط ملاكاً يستدعي الأمر به والترغيب فيه من قبل الشارع .
ثمّ إنّه بناءً على كون أوامر الاحتياط مولوية ، فهل هي في طول الأوامر الواقعية فيجب قصد الأوامر الواقعية في الامتثال ، أم أنّها في عرضها ، فيجوز قصد امتثالها ، كما هو الحال في الإتيان بالواجب أو المستحب الذي وقع متعلقاً للنذر ؟
ذكر السيد الخوئي بأ نّه يكفي قصد الأوامر الاحتياطية ؛ لأنّها إن كانت توصلية والغرض فيها امتثال الواقع المشكوك فهي تسقط بمجرد امتثال متعلقاتها وليست متوقفة على القصد ، وإن كانت تعبّدية فيكفي مجرد إضافة الفعل إلى المولى سبحانه بقصد الأوامر الواقعية أو الاحتياطية « 6 » .
الأمر الرابع : التبعيض في الاحتياط
يمكن أن يُتصور للاحتياط عدّة مراتب « 7 » :
المرتبة الأولى :
الاحتياط في الأحكام المشتبهة ، بدرجة لا توجب العسر والحرج فضلًا عن اختلال النظام .
المرتبة الثانية :
الاحتياط في الأحكام المشتبهة ، بدرجة لا توجب اختلال النظام ، بل توجب العسر والحرج المنفيّان في الشريعة .
المرتبة الثالثة :
الاحتياط في جميع الأحكام المشتبهة من مظنوناتها ومشكوكاتها وموهوماتها ، على وجه يحرز به جميع التكاليف الواقعية .
وهذه المرتبة تستلزم الاخلال بالنظام النوعي والشخصي ؛ لكثرة الموارد المشتبهة .
وإذا كان الاحتياط قبيحاً في هذه المرتبة لاستلزامه الاخلال بالنظام ، فإنّه لا ينافي حسن الإتيان به في بعض الموارد والتبعيض فيه بمقدار لا يلزم الاخلال بالنظام .
وللتبعيض في الاحتياط طريقان « 8 » :
الطريق الأول : أن يعمل بالاحتياط في جميع
الشبهات العرضية إلى أن ينتهي الأمر إلى اختلال النظام ، فيسقط الاحتياط رأساً في جميع الشبهات .
هامش
( 1 ) . دروس في علم الأصول 2 : 359 .
( 2 ) . فرائد الأصول 2 : 103 .
( 3 ) . فوائد الأصول 3 : 399 .
( 4 ) . هذا الحديث أورده النائيني للاستدلال به في فوائد الأصول 3 : 399 ، لكن الموجود في مصادر الحديث قوله عليه السلام « ومن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه ، إلّاأن يرعاها في الحمى » وسائل الشيعة 27 : 169 كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب ( 12 ) وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى ح 52 .
( 5 ) . وسائل الشيعة 27 : 175 كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، باب ( 12 ) وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى ح 68 .
( 6 ) . مصباح الأصول 2 : 318 .
( 7 ) . فوائد الأصول 3 : 243 .
( 8 ) . مصباح الأصول 2 : 326 - 327 .