وذكر الشيخ الأنصاري بأنّ هذا الطريق مشكل ؛ لأنّ في تحديده عسراً وحرجاً « 1 » .
الطريق الثاني : أنّ يُعمل بالاحتياط في بعض
الموارد ، بالمقدار الذي لا يلزم منه اختلال النظام .
وهذا الطريق هو الراجح لقوله عليه السلام : « القليل الذي تدوم عليه ، خير من كثير لا تدوم عليه » « 2 » .
ولهذا الطريق صور متعدّدة :
الصورة الأولى : التبعيض بحسب الاحتمالات ، فيُحتاط في المظنونات ، ويترك الاحتياط في المشكوكات والموهومات « 3 » .
الصورة الثانية : التبعيض بلحاظ المحتملات ، فيُحتاط في الأمور المهمة بنظر الشارع ، كالدماء والفروج والأموال « 4 » .
الصورة الثالثة : التبعيض بين موارد قيام الأمارات على الإباحة ، وبين قيام أصالة الإباحة عليها ، فيُحتاط للثاني دون الأول « 5 » .
الأمر الخامس : الإشكال على الاحتياط ومشروعيته
لا ينبغي الإشكال في حسن الاحتياط ومشروعيته مع عدم التمكن من الامتثال التفصيلي للواجب ، سواء في ذلك التعبديات أو التوصليات ، وسواء استلزم الاحتياط التكرار أو لا ، وسواء في ذلك العلم الإجمالي أو الشبهات البدوية ، موضوعية كانت أم حكمية ، باعتبار أنّ الاحتياط هو الوسيلة الوحيدة للمكلّف لإحراز الواقع ، ولا معنى للاستشكال فيه « 6 » .
وإنّما وقع الإشكال في الاحتياط مع التمكن من الامتثال التفصيلي . وهذه الإشكالات تعود تارةً إلى مطلق الاحتياط ، وأخرى إلى الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي ، وثالثة تعود إلى الاحتياط فيما قامت الأمارة على خلافه . فالكلام يقع في عدّة مقامات :
المقام الأول :
الإشكال على مطلق الاحتياط .
باعتبار أنّ الإطاعة هو الانبعاث عن أمر المولى وبعثه ، والاحتياط في الشبهات البدوية يكون الانبعاث فيه عن احتمال الأمر ، وبعبارة أخرى : إنّ الباعث له للإطاعة هو الصورة الذهنية لوجود الأمر لا للوجود الواقعي للأمر ، وهو لا يكفي في صدق الإطاعة عقلًا ، وعلى ذلك يبتني بطلان عبادة تارك طريق الاجتهاد والتقليد والعمل بالاحتياط « 7 » .
ونوقش فيه : أنّ الإطاعة والعصيان من الأمور العقلائية التي يكفي فيهما كون الانبعاث لأجله تعالى رجاءً ، ولايتوقّف تحقق الإطاعة على كون الانبعاث انبعاثاً عن أمره وبعثه تعالى ، هذا مضافاً إلى أنّ الانبعاث عن احتمال الأمر أولى في تحقق الإطاعة بنظر العقل من الانبعاث عن الأمر القطعي ؛ لأنّه كاشف عن قوة المبادئ الباعثة للمكلّف للإطاعة حتى فيما يحتمله من أوامر الشارع « 8 » .
المقام الثاني :
الإشكال على الاحتياط في العلم الإجمالي .
هامش
( 1 ) . فرائد الأصول 2 : 137 .
( 2 ) . هذا الحديث أورده الخوئي للاستدلال به في مصباح الأصول 2 : 327 لكن الموجود في مصادر الحديث قوله عليه السلام : « قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول » بحار الأنوار 84 : 30 .
( 3 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 137 ، مصباح الأصول 2 : 327 .
( 4 ) . انظر : فرائد الأصول 2 : 137 .
( 5 ) . فرائد الأصول 2 : 138 - 139 .
( 6 ) . مصباح الأصول 2 : 77 .
( 7 ) . فوائد الأصول 3 : 72 - 73 .
( 8 ) . انظر : كفاية الأصول : 351 - 352 ، تهذيب الأصول ( الخميني ) 3 : 418 - 419 .