إجمال المخصّص لا يوجب انثلام ظهور العام « أكرم كلّ فقير » في ظهوره ، إلّاأ نّه يسقطه عن الحجّية والمرجعية في الحكم بوجوب الإكرام بالنسبة إلى أيّهما .
أو الخبران المتعارضان حيث يعلم بكذب أحدهما - بناءً على التساقط - فلا يمكن الاستناد إلى أي واحدٍ منهما ، وإن كان الظهور في كلٍّ منهما محفوظاً .
وبالتأمّل في التقسيمين السابقين يتضح أنّ بالإمكان جعلهما تقسيماً واحداً ثلاثياً : وذلك بأن يقال : الإجمال إمّا حقيقي أو حكمي ، والحقيقي إمّا بالذات أو بالعرض .
والحاصل أنّ الأقسام ثلاثة : إجمال بالذات ، وإجمال بالعرض ، وإجمال حكمي « 1 » .
ثمّ إنّ الإجمال الحكمي الذي صار قسيماً ومقابلًا للعرضي - بمقتضى ما مرّ - قد يطلق عليه الإجمال بالعرض « 2 » ؛ وذلك لمكان عرضيّة نفس هذا الوصف ، أي الإجمال الحكمي ؛ لوضوح أنّ الإجمال الحكمي وإن لَمْ يكن إجمالًا للّفظ حقيقةً ، إلّاأ نّه إذا أريد توصيفه به - ولو مسامحة - فهو أمر عارض ناشئ من خارج اللفظ قطعاً .
رابعاً : الحكم
ويقع البحث في أمور :
الأمر الأول : أسباب الإجمال
للإجمال بأقسامه من الحقيقي والحكمي ، أو الذاتي والعرضي مناشئ عديدة ، نتعرض لأهمها فيما يلي : وهي :
1 - كون اللفظ مبهماً في نفسه كاللفظ المشترك
الخالي عن القرينة ، بناءً على عدم جواز استعماله في أكثر من معنى « 3 » . وهذا واضح لمكان ترددّه في المعنى ، فيكون مجملًا غير مبيّن .
والاشتراك كما يكون في اللفظ المفرد من اسم ( كالعين ) ، أو فعل ( كعسعس ) ، أو حرف ك ( مِن ) في قوله تعالى :
« فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ . . .
مِنْهُ »
« 4 » المردّد بين الابتداء والتبعيض ، كذلك يكون في المركّب ، كما قوله تعالى :
« أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ »
« 5 » ؛ لتردّد من بيده عقدة النكاح بين الزوج والولي « 6 » .
( اشتراك )
2 - احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة
، بحيث يكون من الجائز اعتماد المتكلم عليه في تفهيم مراده ، ولم يكن بحدِّ الظهور ، ولم يعلم أنّ المتكلم قد اعتمد عليه أم لا « 7 » .
وذلك كموارد وقوع الاستثناء بعد جمل متعددة متعاطفة بعضها على بعض ، وكذلك وقوع وصف أو شرط أو غاية ونحوها بعدها ، ورجوع الضمير إلى جزء المعنى السابق ، ووقوع الأمر عقيب الحظر أو توهمه . فإنّ ذلك قد يوجب الإجمال .
3 - تعقّب الخطاب بقيد مجمل :
وذلك كالمخصّص الوارد على العام ، فإنّه إذا كان مجملًا فقد يوجب إجمال العامّ حقيقةً أو حكماً « 8 » .
ومن أمثلة الاجمال الحقيقي - ولو بالعرض - قول « أكرم الفقراء إلّاالفُسّاق منهم » وقد تردّد الفاسق بين خصوص المرتكب للكبيرة والأعمّ منه ومن الصغيرة ، فإنّ
هامش
( 1 ) . انظر : مقالات الأصول 1 : 471 - 472 ، نهاية الأفكار 1 - 2 : 516 ، دراسات في علم الأصول ( الخوئي ) 2 : 352 ، محاضرات في أصول الفقه 5 : 386 .
( 2 ) . انظر : مصباح الأصول 3 : 365 - 366 .
( 3 ) . الفصول في الأصول 1 : 64 و 2 : 27 ، البحر المحيط 3 : 457 .
( 4 ) . المائدة : 6 .
( 5 ) . البقرة : 237 .
( 6 ) . الكاشف عن المحصول 5 : 48 ، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن 3 : 1222 .
( 7 ) . الفصول في الأصول 1 : 64 - 29 و 2 : 27 .
( 8 ) . المعتمد 1 : 266 ، التحبير شرح التحرير 5 : 2379 و 6 : 2758 ، إرشاد الفحول 1 : 457 .