الأمر العاشر : تحديد دائرة المجمعين .
والبحث في ذلك يقع في مقامين :
المقام الأول :
هل الإجماع ينعقد باتفاق الجميع ، أم يكفي فيه اتفاق الأكثر ؟
فقد برزت في ذلك عدّة أقوال :
القول الأول : أنّ المعتبر في الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين ولا يكفي اتفاق الأكثر . وهو اختيار الأكثر من أهل السنّة « 1 » .
القول الثاني : أنّ المعتبر في الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين ، غير أنّ اتفاق الأكثر مع كون المخالف شاذاً أو نادراً يكون حجّة رغم عدم كونه إجماعاً قطعياً ؛ لأنّ الأدلة لا تشمله . وهو اختيار ابن الحاجب « 2 » ، والعضدي « 3 » ، وابن بدران « 4 » .
القول الثالث : أنّ المعتبر في الإجماع اتفاق الأكثر ولا تضرّ مخالفة الأقل . وينسب إلى جماعة « 5 » .
القول الرابع : أنّه يكفي اتفاق جماعة وإن لم تشكّل الأكثرية . وهذا هو رأي الإمامية في الإجماع ؛ باعتبار أنّ حجّية الإجماع عندهم تقوم على أساس الكشف عن رأي المعصوم عليه السلام ، وهذا الكشف قد يتفق حصوله باتفاق جماعة لا تصل إلى حدّ الإجماع المصطلح « 6 » .
القول الخامس : أنّ المعتبر اتفاق الجميع إلّافيما إذا كان رأي المخالف في مسألة لم يسوّغ فيه الاجتهاد ، فلا تضر مخالفته حينئذٍ ، بل يحصل الإجماع بقول الأكثر .
وينسب إلى الجرجاني اختياره « 7 » .
المقام الثاني :
في بلوغ المجمعين حدّ التواتر وعدمه .
ذهب جمهور المسلمين إلى أنّه لا يشترط في الإجماع بلوغ المجمعين حدّ التواتر « 8 » .
ويبدو من الجويني اشتراط ذلك ؛ باعتبار أنّه استدلّ على حجّية الإجماع بدليل العقل الذي يقوم على أساس نفي الخطأ عن المجمعين ، وهذا لا يحصل إلّاإذا بلغوا حدّاً يستحيل معه تصور اجتماعهم على الخطأ وهو بلوغهم حدّ التواتر « 9 » .
الأمر
الحادي عشر : تحديد دائرة الإجماع الزمنية .
وقع البحث في أنّ الإجماع المعتبر هل يمكن حصره بعصر دون عصر ، أم لا ؟
لم يحدّد جمهور أهل السنّة الزمن الذي يكون فيه الإجماع معتبراً بعصر من العصور دون آخر ، ولذا وردت في تعاريفهم للإجماع عبارة « في عصر من الأعصار » أو ما شابه ذلك « 10 » .
نعم ، حدّد الظاهرية الإجماع بعصر الصحابة دون
هامش
( 1 ) . انظر : التبصرة : 361 - 362 ، المستصفى 1 : 218 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 85 ، روضة الناظر : 71 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 199 - 200 .
( 2 ) . منتهى الوصول : 56 .
( 3 ) . شرح مختصر المنتهى 2 : 312 .
( 4 ) . المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل : 130 .
( 5 ) . انظر : روضة الناظر : 71 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 199 ، المسوّدة : 295 ، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل : 130 .
( 6 ) . انظر : الذريعة 2 : 630 ، الوافية : 152 - 153 ، درر الفوائد ( الحائري ) 1 - 2 : 371 ، أصول الفقه ( المظفر ) 3 - 4 : 111 ، مصادر الحكم الشرعي : 23 .
( 7 ) . انظر : الإبهاج في شرح المنهاج 2 : 387 - 388 .
( 8 ) . انظر : المستصفى 1 : 220 ، روضة الناظر : 69 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 212 ، معارج الأصول : 131 ، شرح تنقيح الفصول : 341 - 342 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 3 : 264 ، تيسير التحرير 3 : 235 .
( 9 ) . البرهان في أصول الفقه 1 : 262 - 263 .
( 10 ) . انظر : روضة الناظر : 67 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 168 ، تيسير التحرير 3 : 224 ، إرشاد الفحول 1 : 254 .