أو الحجّية .
أمّا في مجال تكوّنه ؛ فلأنّ قيام الإجماع على حكم يكشف - تقديراً - عن وجود دليل عند المجمعين استندوا إليه ، وأمّا في مجال حجيّته ؛ فلأنّ إعطاء الاعتبار للإجماع على أساس الكشف يعني أنّه ليس حجّة في نفسه وبما هو هو ، وإنّما الحجّية للمنكشف وهو السنّة فحسب « 1 » .
الاتجاه الثالث :
الجمع بين الاستقلال والتبعية .
وهذا الاتجاه هو لجمهور أهل السنّة ، حيث إنّهم من ناحية يشترطون لزوم أن يكون للإجماع في سير تكوّنه وانعقاده تبعية وكاشفية - تقديراً أو فعلًا - عن مستند ، ولا يجوز انعقاده من دون مستند ؛ لأنّ الأمة ليس لها صلاحية تشريع الأحكام ولا تقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله « 2 » .
ومن ناحية أخرى يعتبرون للإجماع بعد تكوّنه حجّية مستقلة غير الحجّية الثابتة للمستند الشرعي الذي تكوّن على أساسه الإجماع « 3 » ، يقول البزدوي : « إنّ إيجاب الحكم بالإجماع قطعاً لم يثبت من قبل دليله - أي مستنده - بل من قبل عينه كرامةً للأمة » « 4 » .
وقد برزت هذه الفكرة - أي فكرة استقلال الإجماع في الحجّية - انطلاقاً من ثبوت العصمة للأمة أو كرامتها كما تقدّم في أدلّة الحجّية .
وعلى ضوء ما تقدّم يُعلم أنّ الاتجاهين ( الثاني والثالث ) يتفقان في التبعية ؛ بمعنى لزوم استناد مفردات الإجماع إلى الشرع ويختلفان في التبعية ؛ بمعنى أنّ حجّية الإجماع بناءً على الاتجاه الثاني حجّية طريقية بمقتضى الكشف عن السنّة ، وأنّ حجّيته بناءً على الاتجاه الثالث حجّية مزدوجة وملفّقة من وجود المستند ومن عصمة الأمة ، باعتبار أنّ الأمة المعصومة لا تجمع إلّاعن أصل متلقى عنه صلى الله عليه وآله .
وقد سبّب هذا الاختلاف في الاتجاه بين الإمامية وجمهور أهل السنّة حصول الاختلاف بينهم في تعريف الإجماع ، حيث ركزت تعاريف أهل السنّة على جانب الاتفاق « 5 » ، وركّزت تعاريف متأخري الإمامية على جانب الكشف ولو لم يصل إلى درجة الاتفاق « 6 » .
الأمر الخامس : الاختلاف حول مستند الإجماع .
اتفق الإمامية وجمهور أهل السنّة على لزوم كون الإجماع منعقداً عن مستند ومدرك يستند في تكونه وانعقاده ، إلّاأ نّه وقع الخلاف في جانبين :
الجانب الأول :
في دائرة المستند .
ذهب أكثر أهل السنّة إلى عدم اشتراط أن يكون مستند الإجماع دليلًا قطعياً ، بل يجوز أن يكون ظنياً ، كالقياس وخبر الواحد « 7 » .
وأمّا الشيعة الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ مستند الإجماع
هامش
( 1 ) . انظر : معارج الأصول : 126 ، نهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 3 : 131 ، معالم الدين : 173 ، زبدة الأصول ( البهائي ) : 97 ، الوافية : 151 - 152 ، مفاتيح الأصول : 494 ، أصول الاستنباط : 145 .
( 2 ) . انظر : المحصول ( الرازي ) 2 : 88 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 221 ، شرح مختصر الروضة 3 : 118 ، شرح مختصر المنتهى 2 : 353 ، كشف الأسرار ( البخاري ) 3 : 481 - 482 .
( 3 ) . انظر : المعتمد 2 : 57 ، ميزان الأصول 2 : 756 ، نهاية السُّول 3 : 307 ، مرآة الأصول 2 : 68 .
( 4 ) . أصول البزدوي 3 : 482 .
( 5 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 168 .
( 6 ) . انظر : دروس في علم الأصول 1 : 281 ، أصول الفقه ( المظفر ) 3 - 4 : 103 ، 111 .
( 7 ) . انظر : شرح اللمع 2 : 683 ، المستصفى 1 : 227 ، المحصول ( الرازي ) 2 : 89 ، الإحكام ( الآمدي ) 1 - 2 : 224 ، كشف الأسرار ( البخاري ) 3 : 482 ، إرشاد الفحول 1 : 281 .