يجب القول : إنّ الاجتهاد نفسه قائم على العقائد الصحيحة ، ولا يمكن إيجاد جدار فاصل بين الشروط العقائدية والفقهية ، وقد أجاب النراقي عن ذلك بنفس هذا الجواب ، حيث قال : « الاجتهاد يتوقف على تصحيح الاعتقاد » « 1 » .
وفي الفترة الأخيرة أبدى علماء الحوزة الدينية في الوسط الشيعي اهتماماً خاصّاً بهذا الموضوع ، فأخذوا ينشرون بحوثاً تحت عنوان : « المباني الكلامية للفقه » ، ولم تتوفر هذه الفرصة والظروف الجديدة إلّابطرح مباحث « فلسفة الفقه » .
وجدير بالذكر أن نقول : إنّ اندراج هذه المباحث تحت عنوان « فلسفة الفقه » مناسب جداً ، وينبغي مواصلة الجهود اللاحقة تحت هذا العنوان بالذات .
ومن ذلك يتّضح أكثر فأكثر عمق حديث الشيخ النراقي القائل : « الاجتهاد يتوقّف على تصحيح الاعتقاد » .
ثالثاً : أقسام الاجتهاد
يقسّم الاجتهاد من عدة زوايا :
( 1 ) تقسيمه بحسب سعة دائرته
يقسّم من هذه الزاوية إلى قسمين : المطلق ، والمتجزّئ .
ويقصد بتجزئة الاجتهاد أن يجتهد العالم لاستنباط بعض الأحكام دون بعض ، والمطلق ما يقابله « 2 » .
وقد برزت في تفسير كلّ من المطلق والمتجزّئ عدة اتّجاهات :
( أ ) إنّ الإطلاق هو الاستفراغ الفعلي في جميع الأحكام ، وأن التجزّئ هو الاستفراغ الفعلي في بعضها « 3 » .
( ب ) إنّ الإطلاق هو ملكة الاقتدار على استنباط جميع الأحكام ، والتجزّئ هو ملكة الاقتدار على استنباط بعضها ، بمعنى أن يتمكّن الشخص من استنباط الجميع وإن لم يستنبط الجميع بعدُ في العمل « 4 » .
( ج ) إنّ الإطلاق هو الإحاطة بأدلة جميع أو معظم الأبواب أو المسائل ، والمتجزّئ هو الإحاطة بأدلة بعضها « 5 » .
والفرق بين الثاني والثالث هو أنّ الثاني يركّز على عنصر ملكة الاقتدار على استنباط الأحكام ، بينما الثالث يركّز على عنصر الإحاطة بالأدلة .
إمكان واستحالة كلّ من الاجتهاد المطلق والمتجزّئ
الاجتهاد المطلق أم المتجزّئ ممكن أو هو محال ؟
برزت إزاء هذا السؤال أقوال :
القول الأول : الاجتهاد المطلق محال والمتجزّئ ممكن
وقد اختار هذا القول بعض أهل السنّة ، منهم الفتوحي الحنبلي « 6 » . وقد استدلّ لهذا القول بأنّ الاجتهاد لو لم يكن متجزّياً يلزم منه كون شخص واحد عالماً بتمام أبواب وجزئيات الفقه وهذا محال .
ومن هذا الاستدلال يعلم أنّ القائلين بهذا القول قد تبنّوا التعريف الأول من التعاريف التي ذكرت للمطلق ، أي
هامش
( 1 ) . مناهج الأحكام والأصول : 264 - 265 .
( 2 ) . انظر : المستصفى 2 : 203 ، أعلام الموقّعين 4 : 216 ، تيسير التحرير 4 : 246 ، إرشاد الفحول 2 : 302 ، شرح طلعة الشمس 2 : 278 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 560 .
( 3 ) . انظر : شرح الكوكب المنير : 398 .
( 4 ) . انظر : كفاية الأصول : 466 - 467 ، مبادئ الوصول : 242 .
( 5 ) . انظر : المستصفى 2 : 203 ، مرآة الأصول 2 : 319 - 320 ، إرشاد الفحول 2 : 302 .
( 6 ) . شرح الكوكب المنير : 398 .