واستدلّ النراقي عليه ، فقال : « ودليل اشتراط الأنس بلسان الفقهاء ظاهر ، إذ غير المستأنس قد يغفل عن المراد » « 1 » .
هذا وقد ورد في كلام النووي اعتبار هذا الشرط ، يقول في ذلك : « واختلاف العلماء واتّفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلّة ، والاقتباس منها » « 2 » .
الشرط الثامن : عدم التشكيك والاعتياد على التوجيه والتأويل
إنّ من يسعى للدقة والاحتياط يبتلى بالتشكيك والتوجيه غير المتعارف فلا يصلح للافتاء حتّى لو تمتع بشخصية علمية بارزة ؛ لأنّه يفتقر إلى ميزة رئيسية من مزايا الاجتهاد ، فهو - في الحقيقة - يعجز عن الفهم العرفي للنصوص ، فيضيع في منعطفات الوسواس بدلًا من فهم الروايات من منظار العرف .
التفت النراقي إلى أهمية هذا الشرط وقال : « أن لا يأنس بالتوجيه والتأويل ؛ فإنّه ربّما يجعل ذلك الاحتمالات البعيدة من الظواهر » « 3 » .
أمّا الوحيد البهبهاني فقد أبدى اهتمامه بهذا الشرط قبل النراقي « 4 » .
الشرط التاسع : عدم الإفراط والتفريط في الفتوى
على الرغم من وجوب اعتبار الشجاعة العلمية من المتطلبات الضرورية للمفتين ، إلّاأنّ هذه الصفة الحسنة لو تحولت إلى شجاعة مفرطة وجرأة بعيدة عن الضوابط والقوانين ستولد نتائج عكسية ؛ إنّ الفتاوى التي يشمّ منها رائحة التطرف والغلو تنمّ عن لحظات عصيبة وغليان عاطفي ، ومن جهة أخرى ، فإنّ عدم الإحساس بالثقة بالنفس والاستقامة النفسية المناسبة لإبراز النظريات والفتاوى الجديدة ، سوف لن يقود إلى التطوّر الفقهي والتحرّك الاجتهادي .
لقد التفت الوحيد البهبهاني « 5 » ، والنراقي من الإمامية إلى هذا الشرط قائلًا : « ألّا يكون جريئاً في الفتوى غاية الجرأة فيخرّب الدين ، ولا مفرطاً في الاجتهاد فيهمل أحكام الشرع المبين » « 6 » .
الشرط العاشر : معرفة تأريخ الفقه
ليس لزاماً أن يكون العلم هو ما في متناول اليد ؛ فربّما صدّنا المسار الرئيسي للعلم عن فهم ونيل ملاحظات وأفكار ممتازة من صلب ذلك العلم ، غير أنّها خمدت في ظروف استثنائية ، إنّ الوقوف على تأريخ تطوّر الفقه تتيح للعلماء ما يلي :
1 - ألّا تخفى عليهم الانحرافات الجذرية التي طالما ابتلوا بها ، وألّا يكرسوا أفكارهم على إطلاق الأحكام العامة حول ذلك العلم .
2 - أن يصبّوا جلّ اهتمامهم على الأفكار الجديدة ، المتولدة نتيجة تطوّر علم الفقه ولم يتسنّ لأحد متابعتها .
لم تبدِ بعض المدارس الفقهية - طبعاً - اهتماماً يذكر بتأريخ الفقه ومسائله المختلفة ؛ فاستندت إلى استدلالات
هامش
( 1 ) . مناهج الأحكام والأصول : 266 .
( 2 ) . المجموع شرح المهذّب 1 : 42 .
( 3 ) . مناهج الأحكام والأصول : 267 .
( 4 ) . الفوائد الحائرية : 341 .
( 5 ) . المصدر السابق .
( 6 ) . مناهج الأحكام والأصول : 267 .