الأحكام من ظاهر النصوص أيضاً ؛ وذلك لما تستبطنه هذه العملية من الجهد الكثير في سبيل معرفة الظهور وتحديده وإثبات حجيّته .
وتبدأ هذه المرحلة في أواخر القرن السابع ، كما يشعر به اشتراط العلّامة الحلّي في المجتهد معرفة الألفاظ ومقتضياتها وأحوالها « 1 » .
ولم يكن الاجتهاد في هذه المرحلة يشمل عمليات تحديد الوظائف العملية ، بل يقتصر على إحراز الحكم الشرعي من أدلته المحرزة .
المرحلة الرابعة : وهي مرحلة شمول الاجتهاد
لجميع عمليات الاستنباط ، بما فيها عمليات تحديد الوظائف العملية عند الشك بالحكم الشرعي وفقدان الدليل المحرز ، ويعدّ هذا من أواخر ما توصلت إليه مدرسة الإماميّة في الاجتهاد « 2 » .
معارضة الأخباريين للاجتهاد
بعد اتضاح السير التأريخي الذي مرّ به معنى الاجتهاد لدى الإمامية ، يمكن تفسير موقف جماعة من الأخباريين ومعارضتهم للاجتهاد الذي يقول به فقهاء الإماميّة ، فإنّ معارضتهم إنّما هي للاجتهاد بمعنى اجتهاد الرأي في مقابل النص الشرعي ، وهو الدور الأول للاجتهاد الذي مرّ بيان اتفاق الإماميّة قاطبةً على منعه ، وأمّا الاجتهاد في فهم النصوص وبذل الجهد في تحصيل الحكم الشرعي من خلالها ، فهو أمر يمارسه الأخباريُّ أيضاً ، ولا استيحاش له من الاجتهاد بهذا المعنى « 3 » .
ولا زال باب الاجتهاد مفتوحاً عند الإماميّة ولم يغلق منذ فتحه ، ولا زالت مدرسة الاجتهاد عندهم تنجب العديد من المجتهدين والفقهاء إلى يومنا هذا ، وقد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس والانكماش ، وأفتوا بحرمة تقليد المجتهد الميّت ابتداءً ، ولزوم الرجوع إلى الحي ؛ لتبقى النصوص الشرعية حيّة مرنة في ظلّ الاجتهاد تواكب متغيرات العصور ، وتساير نواميس الزمان والمكان « 4 » .
شروط الاجتهاد
الشرط الأوّل : معرفة آيات الأحكام
هناك اتجاهان في تحديد نطاق آيات الأحكام :
( أ ) الاتجاه التحديدي :
يذهب هذا الاتجاه إلى القول بأنّ لآيات الأحكام عدداً معلوماً ، فمنهم من حدّد عدد آياتها ب 300 آية ، ومنهم من حددها ب 500 آية كالغزالي « 5 » والرازي « 6 » والعلّامة الحلّي « 7 » ، وأوصلها بعض إلى ما يقارب 600 آية « 8 » .
وقد مال إلى هذا الاتجاه أكثر العلماء ، وذهبوا إلى أنّ معرفة آيات الأحكام تكفي في عملية الاجتهاد ، ولايشكّل الجهل بالآيات الأخرى مانعاً في طريق الاجتهاد .
( ب ) الاتجاه التوسيعي :
يذهب هذا الاتجاه إلى القول بأ نّه ليس لآيات الأحكام عدد معلوم ، ويمكن أن
هامش
( 1 ) . نهاية الوصول 5 : 168 - 169 .
( 2 ) . انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 545 ، المعالم الجديدة للأصول : 38 - 43 .
( 3 ) . انظر : كفاية الأصول : 464 ، التنقيح في شرح العروة الوثقى 1 : 22 ، الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد : 10 ، المعالم الجديدة للأصول : 43 ، أنوار الأصول 3 : 536 ، 542 - 544 ، بيان الأصول ( الصافي ) 3 : 353 - 354 ، وراجع : الفوائد المدنية : 91 - 105 .
( 4 ) . تأريخ الفقه الإسلامي وأدواره : 92 .
( 5 ) . المستصفى 2 : 200 .
( 6 ) . المحصول 2 : 497 .
( 7 ) . نهاية الوصول 5 : 170 .
( 8 ) . دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام 1 : 22 .