في حضرة النبيّ وفي غيبته إنّما استدلّ ببعض أخبار الآحاد ، ولم يدّعِ سوى حصول الظن بمضمونها « 1 » ، وأهمّها حديث معاذ : لمّا أراد النبيّ صلى الله عليه وآله أن يبعثه إلى اليمن قال له :
« كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ » قال : أقضي بكتاب اللَّه ، فإن لم أجد فبسنّة رسول اللَّه ، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلو ، فضرب رسول اللَّه على صدره ، وقال : « الحمد للَّهالذي وفّق رسول اللَّه لما يرضي رسول اللَّه » « 2 » ، وقد رُدّ الاستدلال به وتمّ تضعيفه سنداً ودلالةً ، ذهب إلى هذا ابن حزم « 3 » وغيره « 4 » .
المرحلة الثانية : الاجتهاد في عصر الصحابة
كان شأن الصحابة في حياة النبيّ صلى الله عليه وآله هو التلقّي والاستفتاء منه صلى الله عليه وآله ، وأمّا بعد وفاته فقد انتقلوا فجأة من طور الاعتماد إلى طور الاجتهاد « 5 » ، وكانت مصادر الأحكام في هذا الدور أربعة هي : الكتاب ، والسنّة ، والقياس أو الرأي ، والإجماع « 6 » ، وقد ذكرت مبرّرات لهذا التحوّل المفاجئ والغريب - بعد أن نص القرآن الكريم على إكمال الدين وإتمام النعمة - منها : الفتوحات الإسلامية الكبرى ، والوقائع والأحداث المستجدّة « 7 » ، والأقضية التي كانت ترد على الصحابة ولا يجدون لها نصاً في الكتاب أو السنّة ، وعندها كانوا يلجأون إلى القياس الذي كان يعبّرون عنه بالرأي « 8 » .
وذكر في كيفية اجتهادهم القياس والاجتهاد في المنصوص والاجتهاد بالرأي « 9 » ، وامتاز الإمام علي عليه السلام بمنهج النص ، وامتاز عمر بمنهج الرأي « 10 » ، وكانت لعمر اجتهادات بارزة في هذا العصر ، منها : منعه سهم المؤلّفة قلوبهم ، ومنها : وقف تنفيذ حدّ السرقة عام المجاعة « 11 » .
وكان من مميزات الاجتهاد في هذا العصر ، أنّه أصبح مصدراً مستقلًا من مصادر الأحكام نظير الإجماع ، وكانت معرفة الحكم فيه خلافاً لعصر النبيّ معرفة اجتهاد غير يقينية « 12 » .
المرحلة الثالثة : الاجتهاد في عصر التابعين وأتباعهم
اتّسعت دائرة الاجتهاد في عصر التابعين وأتباعهم ، نظراً لتفرّق العلماء في البلدان والأمصار ، وهو أدعى للاختلاف والاجتهاد من علماء المصر الواحد « 13 » .
هامش
( 1 ) . انظر : الإحكام ( الآمدي ) 3 - 4 : 408 - 409 .
( 2 ) . الطبقات الكبرى ( ابن سعد ) 1 - 2 : 425 .
( 3 ) . الإحكام 5 - 8 : 122 ، 207 .
( 4 ) . انظر : الأصول العامة للفقه المقارن : 324 - 325 ، مقدمة الآصفي على الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد : 10 .
( 5 ) . المدخل الفقهي العام 1 : 156 .
( 6 ) . تأريخ التشريع الإسلامي ( الخضري بك ) : 84 .
( 7 ) . انظر : المدخل الفقهي العام 1 : 156 - 161 .
( 8 ) . تأريخ التشريع الإسلامي ( الخضري بك ) : 83 .
( 9 ) . الاجتهاد ( توانا الأفغانستاني ) : 37 - 40 .
( 10 ) . تأريخ التشريع الإسلامي ( الخضري بك ) : 83 .
( 11 ) . انظر : المدخل الفقهي العام 1 : 156 - 161 .
( 12 ) . الاجتهاد ( توانا الأفغانستاني ) : 37 .
( 13 ) . المصدر السابق : 44 .