ومن معالم هذه المرحلة تضافر الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام في ذم الاجتهاد بالرأي « 1 » ، ودخول معارضة الاجتهاد مرحلة التصنيف من قبل رواة الأئمّة ، أمثال عبداللَّه بن عبد الرحمن الزبيري ، حيث صنّف كتاب « الاستفادة في الطعون على الأوائل ، والردّ على أصحاب الاجتهاد والقياس » « 2 » ، وهلال بن إبراهيم بن أبي الفتح المدني الذي ألّف كتاباً أسماه « الردّ على من ردّ آثار الرسول واعتمد نتائج العقول » « 3 » ، وإسماعيل بن علي بن إسحاق ابن أبي سهل النوبختي حيث كتب كتاباً في عصر الغيبة الصغرى ، أو قريب منه في الردّ على عيسى بن أبان في الاجتهاد « 4 » .
وفي أواسط القرن الرابع واصل الصدوق تلك الحملة ضد الاجتهاد ، إذ كتب في ذيل قصة موسى والخضر عليهما السلام :
« إنّ موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من اللَّه تعالى ذكره ، لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى أفعال الخضر عليه السلام ، حتّى اشتبه عليه وجه الأمر فيه . . . فإذا لم يجز لأنبياء اللَّه ورسله صلوات اللَّه عليهم القياس والاستنباط والاستخراج ، كان من دونهم من الأمم أولى بأن لا يجوز لهم ذلك » « 5 » ، وفي أواخر القرن الرابع كتب المفيد كتاباً في إبطال اجتهاد الرأي باسم : « النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي » « 6 » ، كما ذهب السيد المرتضى في أواخر القرن الخامس إلى بطلان الاجتهاد ونسبه إلى الإماميّة « 7 » ، وذهب إلى مثله الشيخ الطوسي المتوفّى أواسط القرن الخامس حيث كتب يقول : « أمّا القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين ، بل محظور استعمالهما » « 8 » . ونصّ قطب الدين الراوندي ( ت 573 ) على أنّ الاجتهاد غير جائز في الشرع « 9 » .
وكتب ابن إدريس في أواخر القرن السادس - بعد استعراضه لمجموعة من المرجّحات - : « ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا ، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا » « 10 » .
وبقي الاجتهاد يحمل هذا المعنى المذموم إلى أوائل القرن السابع .
المرحلة الثانية : تحوّل الاجتهاد في هذه المرحلة
من المعنى المرفوض ، وهو كونه مصدراً مستقلًا للفقيه لتحديد الحكم الشرعي في عرض الكتاب والسنّة ، وأصبح يمثّل نفس عملية استنباط الحكم الشرعي من الأدلة الشرعية ، وذلك على يد المحقّق الحلّي في أوائل القرن السابع ، إذ حكم في سياق بيان معنى الاجتهاد بأنّ الإماميّة من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام الشرعية بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس ، ولكن لأخذه بذل الجهد في تعريف الاجتهاد ، قصر صدقه على ما يبذله الفقيه من جهد خارج دائرة ظاهر النصوص ؛ لعدم استدعاء تحصيل الحكم من الظواهر بذل الجهد « 11 » .
المرحلة الثالثة : دخول الاجتهاد مرحلة استنباط
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 27 : 35 - 62 ، كتاب القضاء أبواب صفات القاضي ، باب ( 6 ) عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقاييس ، أحاديث الباب .
( 2 ) . رجال النجاشي : 220 ، الرقم 575 .
( 3 ) . المصدر السابق : 440 ، الرقم 1185 .
( 4 ) . المصدر نفسه : 31 - 32 ، الرقم 68 .
( 5 ) . علل الشرائع : 62 ، الباب 54 .
( 6 ) . رجال النجاشي : 402 ، الرقم 1067 .
( 7 ) . الذريعة 2 : 636 ، 646 ، 794 - 795 ، الانتصار : 113 ، 488 .
( 8 ) . العدّة في أصول الفقه 1 : 10 .
( 9 ) . فقه القرآن : 6 .
( 10 ) . السرائر 2 : 170 .
( 11 ) . معارج الأصول : 179 ، 181 .