وطبرستان ، وعكبرا ، والرقّة ، وحرّان ، إلى غيرها من المدن والبلدان التي كان أهلها يفزعون إليه لحلّ الخصومات ويرجعون إلى رأيه في الأحكام .
وقد استطاع بفضل ما أُوتي من مواهب أن ينهض بالفكر الشيعي ، ويُحدث نقلة متميّزة في المجال الفكري والاجتماعي على حدّ سواء . وكان كما يقول المؤرّخون عنه : « له مجلس نظر بداره يحضره كافّة العلماء » . ويبدو أنّ علاقة السلطان بالمفيد كانت حسنة تبعاً للجوّ السياسي الذي عاشته البلاد ؛ فقد ذكر ابن كثير عنه أنّ « ملوك الأطراف كانت تعتقد به ؛ لكثرة الميل إلى الشيعة في ذلك الزمان » . ويبدو أيضاً أنّ الموهبة العلمية التي تميّز بها المفيد وسعة اطّلاعه من جهة واحترام الأُمراء له من جهة ثانية مكنّاهُ من استحداث وضع فكري واجتماعي متميّز في ذلك الوسط الذي بدأ الامتداد الشيعي يدبّ في أوصاله .
كانت صلة المفيد البويهية في مبدأ أمرها صلة وثيقة ، حيث قدّر البويهيّون مقامه العلمي ، فأجروا الرواتب لتلامذته ، وخصّصوا له جامع براثا في منطقة الكرخ لوعظه وإقامة الصلاة جمعة وجماعة .
إنّ الملاءمة السياسية والفكرية أتاحت للمفيد أن يتصدّى لمناظرة خصومه الفكريّين من : معتزلة ، وأشاعرة ، وزيدية ، وإسماعيلية ، ومحدّثين . . الأمر الذي ساعده على كتابة مؤلّفات عديدة استحدثتها النزعات الفكرية التي نشطت ذلك الحين . ولا يخفى أنّ مثل هذه المؤلّفات التي أُحصيت له - والتي قاربت المائتين مؤلّف بين كتاب ورسالة - تحكي صورة واقعية عن الصراعات الفكرية والاتّجاهات المعارضة التي كان المفيد أحد الأطراف الفاعلة فيها .
من هنا يتبيّن أنّ المفيد استطاع أن يعيد للمذهب الإمامي بناءه من جديد بعد العواصف التي أوشكت أن تمزّقه في مجال الصراعات الفكرية والسياسية . فقد استخدم نشاطه في ردّ المتكلّمين الذين يخالفونه الرأي ، ونقده لآراء العلماء الموافقين لخطّه الفكري ، خصوصاً أُستاذه ابن الجنيد ، كذلك سعى إلى تهذيب العلوم الإسلامية وتنظيمها .
من هنا فقد تصدّى لمقاومة بعض التيّارات الفكرية ، كالغلاة ، والقرامطة ، والزيدية ،
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 569
مساهمون: محمد الساعدي
ص٥٦٩