فَعَلَيْها »
( سورة الأنعام : 104 ) إشارة إلى هذا المعنى .
وبذلك التوجيه الإلهي الحكيم يتحدّد بل ويستقيم الاتّجاه العامّ للمسلمين فيما يحقّق مصالحهم المتعلّقة بتلك الأحكام الفروعية المتكاثرة والمتطوّرة المندرجة في مفاهيمها الكلّية .
وفضلًا عن ذلك فقد وضع التشريع الإلهي حرصاً منه تعالى على تحقيق وحدة المسلمين ، وضع كافّة « الأساسيّات » التشريعية التي تستند إليها هذه الوحدة في شتّى أقطارهم ، تلك « الأساسيّات » الثابتة في التشريع الإسلامي على سبيل « القطع » ممّا لا يملك أحد أن يخالف أمرها ، شَرَعها سبيلًا مُيَسّراً لإقامة هذه الوحدة ، ممّا يدلّ دلالةً صريحةً على بلوغ هذه « الوحدة » في التقدير الإلهي مبلغ أسمى فرائضه ، بدليل أنّه فرض وحدة الأُمّة ، وشَرَع لها وسائل تحقيقها من الأساسيّات الثابتة على سبيل القطع ، أي : أنّه تعالى شَرَع الغاية والوسيلة العلمية لتحقيقها ، والأُمّة الإسلامية - مهما تعدّدت حكوماتها وأقطارها - مأخوذة ومسؤولة حتماً عن أداء هذا الفرض العظيم وإنجازه من الناحية الدينية ، ومن الناحية السياسية بوجهٍ خاصٍّ ، فضلًا عن الناحية الاجتماعية والاقتصادية ؛ لقوله سبحانه :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا »
( سورة آل عمران : 103 ) ، وقوله عزّ وجلّ :
( إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ »
( سورة الأنبياء : 92 ) ، ثمّ نهى سبحانه نهياً صريحاً يفيد التحريم القاطع عن التفرّق والتنازع بقوله جلّ شأنه :
« وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ »
( سورة الأنفال : 46 ) ، ممّا يدلّ على أنّ « التقاعس » عن أداء هذا الفرض الذي هو من أجلّ الفرائض يؤدّي حتماً إلى انفراط عقد الأُمّة ، وانهيار قواها المادّية والمعنوية ، وظهور الأعداء عليها بصريح النصّ الآنف الذكر ! ومن المعلوم أُصولياً أنّ النهي عن الشيء أمر بضدّه !
وعلى هذا كان « التحكّم المذهبي » بالتقليد أو التعصّب بالهوى منافياً رأساً للتحكيم الشرعي الذي نصّت على وجوبه صراحة الآية الكريمة من قوله عزّ وجلّ :
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ »
( سورة النساء : 65 ) ، أي : لا يحكّمون