تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
على صغير ، ولا لقوي على ضعيف ، كلٌّ على قدر وسعه وفي حدود متناولة مُطالبٌ بنصيب قلّ أو كثر في عمارة هذا الكون بالصلاح والإصلاح ، وإنّ كلّ سهم تبخل به عزيمة من العزائم تنقص به لبنة أو لبنات في بناء المجتمع الصالح الذي يُطلب منّا إقامته بمقتضى خلافتنا في الأرض ، والذي لولا يد الإنسان ما ارتفع له بنيان ، بل لولاها ما تغيّر وجه التاريخ في هذا العالم ، فقديماً قال بعض الحكماء : [ وهو الفيلسوف بوسويه في كتاب « معرفة اللَّه » ] : « أروني ماذا أضافت العجماوات إلى ما وهبته لها الطبيعة منذ نشأة العالم إلى اليوم ، بينما نرى الإنسان قد غيّر وجه الأرض ونقّب في أحشائها ، واليوم وقد أمضى العقل الإنساني أُلوف السنين في بحث وتنقيب لا يزال معينه جارياً لم ينضب ، ولا يزال يبتكر الجديد المفيد . . إنّه لا شيء يقف أمام العقل الإنساني ، ولا شيء يضع حدّاً لكشفه وابتكاره إلّاشيء واحد كسله وتراخيه » . هكذا كلّ شيء في الكون ينادينا منذ نشأتنا بأنّنا مسؤولون ، لا بمعنى أنّنا متّهمون محاسبون ، بل بمعنى أنّنا مقصودون مأمولون ، وإنّ من أكبر دواعي الفخار للإنسانية أن تكون هي محطّ هذا السؤال العالمي ومناط ذلك الأمل الكوني . وهكذا يتبيّن لنا أنّ المسؤولية في أساسها ليست خطاب تعنيف وتخويف ، وإنّما هي لقب تشريف وخطاب تكليف ؛ وهي تشريف من حيث هي تكليف ؛ إذ لا يكلّف بحمل الأعباء إلّامن هو أهل لحملها .
على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم
نعم ، إنّنا بفطرتنا مسؤولون ، لا سؤال اتّهام ومناقشة حساب ، بل سؤال التماس ودعاء ورجاء ، وليس الإنسان المسؤول هو الذي يلتمس ويرجو ، بل هو المدعو المرجو ، فالمصالح المادّية والأدبية تلتمس منه أن يقوم بأدائها ، والقيم الأخلاقية والاجتماعية والروحية تدعوه أن يتدخّل بإرادته وعزيمته لتحقيقها ، ثمّ تناشده مؤهّلاته ومرشّحاته نفسها أن يسرع إلى تلبية هذا النداء السرّي العميق الذي تبسطه الكائنات بلسان حالها قبل أن تبسط الأنبياء والرسل بلسان مقالها :
« وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ