يقول ضمن مقال له نشرته مجلّة « رسالة الإسلام » القاهرية : « الإنسان حين يأخذه النوم كيف تساوره الأحلام ، وحين تتقلّب عليه المؤثّرات كيف يسرّ ويحزن ، ويخاف ويأمن ، ويرضى ويغضب ؟ لأنّه ذو نفس تسرى عليها أحوال النفوس وأعراضها الجبليّة .
الإنسان في هذه الميادين كلّها أمير طبيعته ، وسجين فطرته . لا جرم وضعت عنه فيها كلّ الأحمال والأعباء ؛ لأنّه يستوي هو وسائر الأشياء .
لكن له من فوق هذه الميادين ميداناً أعلى ، يمتلك فيه حرّيته ، ويبرز فيه سلطانه ، وتتقرّر فيه مسؤوليته ، وذلك حيث تسلس له الطبيعة قيادها ، وتملكه زمامها ، وتمهّد له سبلها المختلفة ينتقي منها وينتخب ، تحليلًا أو تركيباً ، تعميراً أو تدميراً ، وذلك حيث تأذن له قواه البدنية والنفسية وعلائقه الخاصّة والعامّة أن يتصرّف فيها قبضاً أو بسطاً ، رفعاً أو خفضاً ، قطعاً أو وصلًا ، يؤاسي ويأسي ، أو يجرح ويقسو ، أو يألف ويؤلف ، أو يتجبّر ويتكبّر ، يضيع أمانته أو يصونها ، يحمي أوطانه أو يخونها ، يرفع رأسه إلى السماء طلباً للمثل العليا ، أو ينكس بصره إلى الأرض سعياً وراء زخرف الدنيا . .
الإنسان في هذا كلّه وفي سائر تصرّفاته الاختيارية سيّد مسؤول ، ومسؤوليته مشتقّة من سيادته ، إنّه سيّد بتسويد اللَّه إيّاه منذ جعله خليفة في الأرض ، فمكّنه منها واستعمره فيها ، وإنّه مسؤول بموجب هذه السيادة أن يؤدّي حقّها .
كم من مرّة سمعنا الكلمة المأثورة : « إنّ من نعم اللَّه عليكم حاجة الناس إليكم » ، غير أنّنا عند سماع هذه الكلمة كنّا نفهمها على صورة ضيّقة وفي نطاق محدود ؛ إذ كان يبدو لنا أنّ صاحب المال أو صاحب الجاه هو الذي ينبغي أن يعدّ نفسه في نعمة ؛ لقدرته على قضاء حاجة المحتاجين ، أمّا الآن فإنّنا نفهمها في أوسع معانيها ، ونستطيع أن نناشد بها الناس جميعاً قائلين : إنّ من نعم اللَّه عليكم حاجة المجتمع ، بل حاجة الكون إليكم ، ذلك أنّ مطالب الحياة والصحّة والعلم والقوّة والأمن والرخاء والعدل والبرّ والرحمة والإحسان وسائر القيم الكبرى والمثل العليا لا غنى لها طرفة عين عن تضافر القوى البشرية ، وتماسك أيديها وسواعدها ، وتعاون عقولها وقلوبها ، فنحن جميعاً شركاء في المسؤولية ، لا فضل لكبير
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 329
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٢٩