يتجاوز توضيح ما سطّره روّاد الفكر المقاصدي من الأُصوليّين وخاصّة الشاطبي . . . إلّاأنّي ازددت شكّاً في هذا التصوّر كلّما أمعنت في دراسة فكرة المقاصد الشرعية عند الإمام محمّد الطاهر ابن عاشور من خلال أهمّ مؤلّفاته . . . واقتنعت اقتناعاً كاملًا بأنّي إزاء نظرية في المقاصد الشرعية بعدما تردّد أُصولها إلى تراث المقاصد ، تعمل أيضاً على مراجعته وتكميله » .
وممّا يمكن أن تفسّر به حياة العلم والجدّ التي لازمها ابن عاشور طول حياته ما يُنقل عن ابن عاشور قوله عن نفسه : « إنّ مزية العلم وشرف الانتساب إليه أمر بلغ من اليقين والضرورة مبلغاً يقصر عنه البيان ، وينقص قدره محاولة إقامة البرهان ، بعد أن توجّه اللَّه تعالى به إلى نبيّه الكريم ، وهو الذي علّمه ما لم يكن يعلم ، وزكّاه بأنّه على خلق عظيم وعلى صراط مستقيم ، فقال :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
( سورة طه : 114 ) ، قولًا جعل طلب العلم والحرص عليه والاستزادة منه أعظم مطلوب لأشرف موجود . . وبذلك كان العلم تاج نبوّته ، وشعار ملّته . وإنّي أحمد اللَّه على أن أودع فيّ محبّة العلم ، والتوق إلى تحصيله وتحريره ، والأُنس بدراسته ومطالعته ، سجيّة فطرت عليها ، فخالطت شغاف قلبي ، وملأت مهجتي ولبّي ، وغرزت فيّ غريزة نمّتها التربية القومية التي أخذني بها مشايخي ( طيّب اللَّه ثراهم ، وطهّر ذكراهم ) ، ممّن جمع أُبوّة النسب وأُبوّة الروح ، أو ممّن اختصّ بالأُبوّة الروحية وحدها ، حتّى أصبحت لا أتعلّق بشيء من المناصب والمراتب تعلّقي بطلب العلم ، ولا آنس برفقة ولا حديث أُنسي بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب ، ولا حبّب إليّ شي ما حبّبت إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس ، متنكّباً كلّ ما يجري حولي من المشاغل . فلا تكاليف الحياة الخاصّة ، ولا أعباء الأمانات العامّة التي حُمّلتها فاحتملتها في القضاء وإدارة التعليم حالت بيني وبين أُنسي في دروس تضيء منها بروق البحث الذكي والفهم الصائب بيني وبين أبنائي من الطلبة الذين ما كانوا إلّاقرّة عين وعُدّة فخر ، ومنهم اليوم علماء بارزون ، أو في مطالعات وتحارير أخلص فيها نجيّاً إلى الماضين من العلماء والأُدباء الذي خلّفوا لنا في آثارهم الجليلة ميادين فسيحة ركضنا فيها بالأفهام والأقلام ،