الأقطار شرقاً وغرباً ، هجم البيزنطيّون على ثغور المملكة العبّاسية ، واستولوا على شطر منها ، وارتكبوا في أهلها من القتل والسلب والسباء ما تقشعرّ له الأبدان وتتفطّر منه القلوب ، على أنّ المأمون تمكّن بعد ذلك من القيام بغزوة تاريخية عظيمة ، لم يكتف فيها باسترداد ما أخذه البيزنطيّون ، بل سار والنصر حليفه بفتح قلاع القوم ومعاقلهم حصناً حصناً ومعقلًا معقلًا ، حتّى وصل إلى قلب المملكة الرومية ، وفي إحدى هذه الغزوات عاجلت المأمون منيته ، فمات في ثغر من تلك الثغور يعرف بطرسوس ، وقبره هناك ، وطرسوس اليوم من ملحقات ولاية حلب السورية ، ويؤسفنا أن نقول : كأنّ طرطوس لا يوجد فيها جدث لخليفة عبّاسي عرف ببلائه في جهاده للروم .
هذا وكيف تمّ للتتار في القرن السابع للهجرة استصفاء العالم الإسلامي في الشرق وتدمير حضارته من تركستان إلى سمرقند وبخارى والبلاد المعروفة بما وراء النهر ، إلى قفقاسية والبلاد الفارسية والأذربيجانية والعراق ، إلى الجزيرة والشام ؟ ما تمّ ذلك للمغول إلّا بأسباب ، في طليعتها هذا الشقاق والتطاحن والاختلاف بين الدول الإسلامية ، وهي أُمور شجّعت المغول على غزو الشرق والأقطار المذكورة . ويزعم بعض المؤرّخين أنّ لبعض خلفاء بني العبّاس المتأخّرين صلة بالمغول ، وكان هذا الخليفة يحثّهم على غزو الدول الخوارزمية . . وليس من السهل فيما نرى إثبات ذلك .
هذا التاريخ الحديث ينبّئنا بكيفية استيلاء دول الاستعمار الأوروبّي على الشرق وعلى ديار الإسلام الخاصّة ، وإذلال أهلها ، وامتصاص دمائهم ، وابتزاز ثروتهم .
وكان الشقاق والانقسام بين المسلمين عوناً للمستعمرين على استغلال البلاد المذكورة ، وقد تسنّى لهذه الدول المستعمرة إثارة النعرات ، وضرب بعض فرق المسلمين ببعضهم ، وتعكير صفو بلادنا ، ليتسنّى لهم الاصطياد .
أليس من الغريب بعد هذا أن نرى قوماً ينتسبون إلى العلم وينتمون إلى الدين ، ثمّ لا يعتبرون ولا يتّعظون بمآسي المسلمين ، وما جلبه عليهم الشقاق كلمتهم من الذلّ والهوان ، فيصرّون في عصرنا هذا على بذر بذور الشقاق والخلاف ؟ !
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 237
مساهمون: محمد الساعدي
ص٢٣٧