تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
بعيداً عنها ، لكنّه عاد إليها بعد إلحاح أصدقائه . وكان قد فهم - وهو في باريس - رغبة فرنسا في ضمّ تونس إلى أملاكها ضمّاً كلّياً ، وأنّها أغرت الوزير مصطفى ، فمالأها طمعاً بالترقّي ، فذهبت آمال صاحب الترجمة بإنقاذ بلاده ، فعزم على الخروج منها ، فلم تأذن الحكومة بسفره ، فاحتال بطلب الرخصة للحجّ ، فأُذن له ، فخرج سنة 1296 ه وجاء مصر ، وسافر منها إلى الحرمين ، ثمّ يمّم سوريا فالقسطنطينية ، فأحسنت الدولة وفادته . ولكن الوزير التونسي كتب إلى الباب العالي بإرجاع الشيخ بيرم ؛ لأنّه لم يقدّم حساباً عن إدارة الأوقاف التي كانت في عهدته ، فنصره خير الدين ولم يسلمه . ولما تمّ لفرنسا ضمّ تونس إلى أملاكها سنة 1298 ه عزلت الوزير مصطفى وعاملته معاملة الخائن . واشتغل الشيخ محمّد بيرم في أثناء إقامته في الآستانة بالكتابة والتحرير ، وراعى صحّته فتحسّنت كثيراً وقلّ استعماله للمورفين ، وكانت وجهته النظر في ما آل إليه حال البلاد الإسلامية من طمع الأجانب ، ووصف الأدوية لملافاة ذلك ، ولم يجد الكلام نفعاً . ولمّا تحقّق رسوخ قدم فرنسا بتونس يئس من العودة إليها ، فأراد أن يكون قريباً من أهله ، فانتقل إلى مصر بعد الحوادث العرابية سنة 1884 م ، وقد باع أملاكه في تونس ونقل عائلته منها ، وأنشأ في مصر جريدة سياسية اسمها « الأعلام » تصدر ثلاث مرّات في الأُسبوع ، ثمّ صارت أُسبوعية ، وكانت خطّتها محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم ، فانتقد بعضهم عليه هذه الخطّة ؛ لأنّها تخالف ما كان عليه في تونس ، وأنّه إنّما هجرها فراراً من الحكم الأجنبي ، فكيف يكلّف المصريّين عكس ذلك ؟ ولكن الذين يرون رأيه كانوا يعتذرون بأنّه إنّما حثّ على محاسنة الإنجليز والاستفادة منهم ؛ لأنّ معاكستهم - وأمر البلاد في أيديهم - لا يجدي نفعاً ، وأنّ مجافاة الفرنسيّين أوجدت أسباباً ساعدتهم على ضمّ تونس إلى بلادهم . وقد ألجأه إلى انتهاج هذا المسلك أيضاً ما قاساه من ظلم الحكم الاستبدادي في تونس ، وما آنسه من العوامل المحرّكة في مصر بإغراء بعض الأجانب الذين يغرون صدور الناس على حكّامهم ممّا يعود بالضرر . واضطرّ بعد إقامته سنتين بمصر أن يعود إلى أوروبّا ، فتمّم سياحاته فيها ، وعاد إلى
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 147 | محمد الساعدي