تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 793

مساهمون:

ص٧٩٣
يتأسّس كلّ خلق وكلّ سلوك ربّاني جدير باستخلاف الإنسان . لكن هل القيم الأخلاقية وحدها كافية لأن يسود الأمن ؟ إنّ الإنسان بجانب كونه حيواناً اجتماعياً لا يحيى حياة إنسانية إلّافي مجتمع ، فإنّه أيضاً حيوان أناني شديد الحبّ للخير لنفسه ، ولذلك احتاج الناس إلى تدبير آخر نسمّيه سياسة وسلطة ، يقول اللَّه تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
( سورة الحديد : 25 ) ، فبجانب الكتاب والميزان - أي : الأحكام والقانون من أجل سيادة العدل - أشارت الآية إلى الحديد ، إلى استعمال السلطة التي تردع الذين هم أسرى لأهوائهم وأنانيتهم لا يراعون قانوناً ولا خلقاً ولا ديناً ، فيقطعون السبيل ، ويعتدون ، ويسفكون الدماء ، لذلك كلّه احتاج الناس إلى سبيل آخر بعد القيم والقوانين ، وهو السلطة التي تستعمل القوّة والحديد لإلزام هؤلاء بالقانون . وغاية التدبير السياسي معالجة التنازع بين الناس ، وصراع المصالح المختلفة بطريقة نتفادى بها العنف والخوف وسفك الدماء ، ومعنى هذا : أنّنا نحتاج إلى دولة كي يصبح الناس غير خاضعين للحالة الطبيعية الخارجة عن كلّ قانون وكلّ شريعة وكلّ قيمة أخلاقية ، تضمن أن يتحاكم الناس إلى القانون والعدل ، وهذا معنى السياسة التي تدير هذا التنازع ، وتمنعه من أن يصبح عدواناً وعنفاً . فالسياسة بهذا المعنى إنّما هي إدارة سلمية للصراع لا حرب فيها ولا عنف يقوم به أحد الأطراف أو جميعها ، وتعالج هذا على صعيد المجتمع كلّه ، فهي فنّ حياة متوازنة في دولة واحدة ، يقتضي هذا سلطة وحكماً تعالج بهما المواجهات ، وتسوّى على أساس قانون يحسم به النزاع ، وعدم اتّفاق المصالح والآراء بين الأحزاب وفئات المجتمع المختلفة ، ولا سبيل لغير هذا إلّاالعنف والمقاتلة . والسياسة إنّما غايتها تدبير ذلك كلّه تدبيراً متوازناً يتلافى به أن تقع الفوضى والعدوان وسبل العنف . فلا وجود لسياسة دون سلطة معترف بها تضمن هذا التوازن ، وتمنع العدوان على الأشخاص وحقوقهم » .