عاش فقيراً وما زال فقيراً والملايين بين يديه ؛ لسدّ احتياج الفقراء ، وإعلاء شأن الدين ، ورعاية الحوزات العلمية ، ومعالجة المرضى ، وإحياء المشاريع النافعة ، والإصلاح بين المتخاصمين .
عاش منعزلًا حتّى لا يعرفه أكثر من طلّابه وعلية القوم ، وهو معهم وخارج عنهم ، لا يتّصل إلّالماماً ولا يتعايش مع الآخرين إلّالواذاً ، فالعلم فوق كلّ شيء ، وهو أكبر من كلّ شيء ، ويضحّي من أجله بكلّ شيء ، حتّى عدّ من الزاهدين في الحياة والمتفرّغين للعلم والعمل الصالح ، بعيداً عن كلّ المعوّقات التي تشغله عن الاشتغال والتحصيل ومتابعة المعارف .
إذا حضر محفلًا علمياً بدأ البحث العلمي ، أو اجتمع بصديق له عرض عليه مسألة مشكلة للتوصّل إلى الحلول ، وإذا أدّى واجباً اجتماعياً اقتصر على إسقاط الغرض دون التبذير بالزمن ، فيه بساطة الأتقياء ، وعليه سيماء الصالحين ، ولديه فكر المتيقّظ الحذر ، وعنده الخبرة الكافية بمعاصريه كما هي في الرجال ومدارك التعديل ، يعطي نفسه فسحة يتروّح فيها على نهر الفرات في الكوفة ، سائراً ومفكّراً ، ومجدّداً للنشاط والحيوية ، يقابل بالسلام ليس غير ، وتقابله بالتحيّة فحسب ، فالرجل في فكر دائم بما يبني به كيان الأُمّة في صرحها العلمي : النجف الأشرف ، وهو معني بالشأن العلمي منذ شبابه الأوّل ، حتّى كهولته ، وهو عنفوانها اليوم وإن تجاوز السبعين من العمر المديد .
لقد منّ اللَّه سبحانه وتعالى على الطائفة الإمامية في العالم ، إذ قيّض لها مرجعاً عظيم التدبير ، حديد النظر ، جدّي المعالجة ، بصير الرؤية ، نافذ البصيرة ، يتطلّع إلى الأُفق البعيد في منظور معاصر ، ويفيد من الماضي خبرة الناقد الواعي ، ومن خلال هذين الملحظين تجلّت له الحقائق مرتبطة بالمناخ الواقعي الذي يزن الأُمور ، فكان دقيق الميزان فيما يقرّر ، مصيباً فيما يرى ، تسدّده العناية الإلهية في معايشة عصره بمفارقاته ومضاعفاته المتلاحقة ، دقيق الميزان في العدل ، شديد الورع في المال ، واضح الزهد » .
ويقول السيّد السيستاني من كلام له حول شأن الوحدة : « تمرّ الأُمّة الإسلامية بظروف
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 777
مساهمون: محمد الساعدي
ص٧٧٧