يخاف البطش ، فإذا نزل أحداً وسلّط عليه لسانه كانت الكارثة ، نازل الخديوي توفيق والاحتلال وأبا الهدى الصيّادي ، ولكلّ جاهُه وسلطانه الذي أذلّ أعناق الكثيرين ، كلّ ذلك وهو فقير يعيش من يده إلى فمه ، ما أتاه أتلفه ، وما وصل إلى يده بدَّده ، معتمداً على ربّه الذي يرزقه كما يرزق الطير تغدو خِماصاً وتروحُ بِطاناً ، ضعيف الجسم كثير العلل ، وربّما كان ذلك هو السبب في موت أولاده جميعاً في طفولتهم ، فقد رُزق قبل الاستخفاء بمحمّد ، وعثمان ، وإلياس ، وفاطمة ، وعائشة ، وسُكَينة ، وخديجة . كما رُزق أيّام الاستخفاء بحَفصة ، ورَيّا . وكلّهم لم يعيش طويلًا . ومع هذا فهو - على مرضه - دائب العمل دائم الحركة ، لا يعتريه كَلل ولا ملل ، يودُّ أن يخلد اسمه بالعمل ، بعد أن حُرمَ تخليد اسمه بالولد .
أعدّ نفسه إعداداً عظيماً بكثرة الخبرة وسعة التجربة ، فكان كما حدّث عن نفسه :
« أخذت عن العلماء ، وجالست الأُدباء ، وخالطت الأُمراء ، وداخلت الحكّام ، وعاشرت أعيان البلاد ، وامتزجت برجال الصناعة والفلّاحين والمهن الصغيرة . وأدركت ما هم فيه من جهالة ، وممّ يتألّمون ، وماذا يَرجون ، وخالطت كثيراً من متفرنجة الشرقيّين ، وألممت بما انطبع في صدورهم من أشعّة الغربيّين ، ورأيت جَمّاً من أفاضل الشرقيّين المتعلّمين في الغرب ، وعرفت كثيراً من الغربيّين ، ورأيت أفكارهم - عالية أو سافلة - فيما يختصّ بالشرقيّين ، والغاية المقصودة لهم ، واختلطت بأكابر التجّار ، وسَبرت ما هم عليه من السير في المعاملة أو السياسة ، وامتزجت بلفيف من الأجناس المتباينة جنساً ووطناً وديناً ، واشتغلت بقراءة كتب الأديان على اختلافها والحكمة والتاريخ والأدب ، وتعلّقتُ بمطالعة الجرائد مدّة ، واستُخدِمتُ في الحكومة المصرية زمناً ، واتّجرت برهة ، وفَلَحت حيناً ، وخدمتُ الأفكار بالتدريس وقتاً ، وبالخطابة والجرائد آونة ، واتّخذت هذه المتاعب وسائل لهذا المقصد الذي وصلت إليه بعناء كساني نحولَ الشيخوخة في زمن بضَاضَة الصبا ، وتوّجني بتاج الهَرَم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء ، فصورتي تريك هيئة أبناء السبعين ، وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلّاتسعة وثلاثين » .
وربّما كان أعظم شيء فيه ثباته على مبدئه . . باع نفسه لأُمّته حسبما يعتقد الخير لها ،
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 675
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٧٥